من روائع الأدب العالمي

شموخ رجل

كبار الشخصيات
[frame="4 98"]

اخوتي الاعزاء في منارتنا الحبيبة
الموضوع باين من العنوان
سأقوم بوضع كل يوم لكم قصة من قصص الادب العالمي علنا نستفاد منها ونتمتع بقرائتها وان أراد احد بتزويدنا بقصة فلا بئس بذلك
لكم محبتي

موت بائع متجول
للكاتبة الامريكية: يودورا


ر_ج. بومان، الذي تنقل لمدة أربع عشرة سنة لحساب شركة الأحذية عبر ولاية المسيسبي. قاد سيارته الفورد على طول طريق متسخة وعرة. كان يوماً طويلاً والوقت لم يتجاوز الظهيرة بعد، والشمس قد احتفظت بقوتها هنا حتى في فصل الشتاء ماكثة في كبد السماء، وفي كل مرة يطل بومان برأسه من نافذة السيارة المغبرة ليتفرس الطريق، تمتد يده الطويلة، بين الحين والآخر، تضغط على رأسه وقبعته فتجعله يحس بغضب وعجز، لقد كان محموماً وأيقن بأنه يسلك الطريق غير الصحيح، فهذا يومه الأول الذي خرج فيه بعد حصار أنفلونزي مرير، وغدا ضعيفاً شاحباً لدرجة تكفي ليصبح مهووساً بالمرآة، ولم يعد قادراً على التفكير بذهن صافٍ طيلة ساعات الظهيرة، ففي ثورة غضبه، وبدون أدنى سبب كان قد خطر على ذهنه جدته المتوفاة، التي كانت تتمتع بروح وديعة، وتمنى أكثر من مرة في صغره لو أنه سقط على ذلك السرير الريشي الواسع الموجود في غرفتها، لكنها غابت عن ذهنه كلياً... "يا لهذه البلدة المرتفعة المقفرة"!
تخيل نفسه أنه قد سلك الطريق الخاطئة وبأنه عائد من حيث أتى، وعبثاً حاول إيجاد بيت على مدى بصره ولكن، الآن، حتى رغبة عودته إلى سرير مرضه قد تلاشت، فقد أكد الطبيب شفاءه التام من مرضه بعد دفعه للفاتورة. لم يكن بومان متحسراً على الممرضة الجميلة التي غادرته مودعة، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يهديها سواراً ذهبياً ثميناً.
كره أيام مرضه، وارتاب منه كما يرتاب الآن من الطريق الخالي من اللافتات التي أثارت غضبه، ماذا لو خلت السنوات الأربع عشرة من مرض أو حادث سيارة! فإنه يكون بذلك قد حطم رقماً قياسياً. بدأ يتساءل حول هذا الأمر.. وبالتدريج كان يزور فنادق جيدة في المدن الكبيرة ولم يكن هذا كل شيء، لأن هذه المدن كانت شديدة القيظ في الصيف وباردة في الشتاء.
نساء..تذكر الغرف الصغيرة داخل غرف أخرى كعش من صناديق ورقية صينية، وكلما فكر بامرأة خطر إلى ذهنه مفروشات تلك الغرف الموحشة، ففي الفندق يقف أمام المرآة مرتدياً قبعة سوداء ذات إطار عريض فيبدو كمصارع ثيران، وتراه صاعداً هابطاً على درج الفندق.
وما أن أخرج رأسه من نافذة السيارة حتى أحس بوهج الشمس المحرقة، أراد بومان أن يصل إلى (بيلا) ليلاً لينطرح في السرير ويريح نفسه المرهقة، ولكنه تذكر أن (بيلا) كانت على بعد خمسين ميلاً عندما رآها في البلدة السابقة ذات الطريق المفروش بالحصى.
ـ هذه سكة للأبقار.. كيف وصل إلى مكان كهذا، تساءل ماسحاً وجهه بيده ثم أعادها إلى مقود السيارة، لقد أتى إلى (بيلا) من قبل، ولم ير مثل هذه الهضبة وهذا الطريق وتلك السماء المتلبدة.
ـ يا له من أمر مخجل، نظر حوله بسرعة، لماذا لا يقر ويعترف بأنه أضل الطريق وابتعد عن مبتغاه. لم يكن من عادته أن يسأل الغرباء عن الطريق، وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء القرويين لا معرفة لهم إلاّ بحقولهم، وليس هناك ثمة إنسان قريب منه ليسأله، فمعظمهم كانوا بعيدين عنه، ربما كانوا يبذرون الحبوب في الحقول أو على قمة البيادر، فجأة، استدار على صرير عجلات السيارة التي تقتطع وراءه أوحال الطريق بأشكال مستديرة كالكوسا الأصفر، بينما تبعته أنظار القرويين من بعيد كجدار صلب متسائلين عن هذا الغريب الواطئ أرضهم.
تجمعت الغيوم في جانب واحد في السماء، وكأنها مخدة طويلة كالتي على سرير جدته، ثم انتقلت إلى طرف الهضبة فوق شجرتي سرو سامقتين، بينما كانت عجلات السيارة تضغط على أوراق الأشجار الشاحبة المتناثرة على طول الطريق، فينبعث صوت أنين كئيب يصل إلى أذنيه.
كان يقود السّيارة بدون وعي، وفجأة وجد نفسه على حافة منحدر متآكل، فاتضح أنه في نهاية الطريق، ضغط بكل ما أوتي من قوّة على مكابح السيارة، إلا أنها اهتزت وتدحرجت باتجاه الهاوية، وبدون شك فإنها ستسقط في الوادي. خرج منها بهدوء رغم الاضطراب الذي انتابه. رفع حقيبة الأحذية ثم وضعها على الأرض وشرع يراقب السيارة وهي ترتمي في الهاوية، لم يسمع حطاماً، بل خشخشة منبعثة من الأسفل، انحنى ونظر إلى الوادي فوجد سيارته قد حطّت على عريشة ضخمة وارتاحت كأنها طفل في مهده، فشعر بالارتياح لأنه لم يكن بداخلها، ثم مالت بلطف نحو الأرض، تنفس الصعداء، ثم تساءل مندهشاً:
"أين أنا؟ ولماذا لم أقم بفعل شيء ما؟"
بدأت ثورة غضبه واهتياجه تنساق بعيداً عنه، فقد رأى بيتاً وراءه على التلة. حمل حقائبه وبرغبة كرغبة الأطفال ذهب متجهاً إلى البيت، كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، فتوقف وارتاح قليلاً، بدا الكوخ بغرفتيه وكأنه صنع للصيادين الذين يأوون إليه طلباً للراحة، جثم بومان على التلة، ورأى أن الكوخ يميل للأسفل تحت العريشة الثقيلة التي فرشت سطحه بأغصانها الخضراء الهاربة من فصل الصيف، شاهد امرأة تقف في الممر، فتسمر في أرضه وأحس بأن في قلبه سهماً نارياً، فلم يعد يقوى على التفكير، وغدت ضربات قلبه المنتفضة عشوائية قوية، خفقان بدون ضجة، ريثما سقط كالغَمْرُ أوقعته الشباك.
استقام ولملم ما تبقى بداخله من قوة قاصداً المرأة وقال :
ـ نهار سعيد يا سيدتي.
لم يسمع دقات قلبه الآن، فقد سكن كرماد يتساقط، وانبعثت في نفسه الطمأنينة، إنه لشيء رهيب لبومان أن يكتشف ضعف قلبه، ومع سكون اضطرابه ألقى بحقائبه التي تكومت ببطء ووداعة على العشب الأشيب قرب باب الدرج. أحس بومان أن المرأة الواقفة مسنة وليس بوسعها أن تسمع خفقات قلبه التي تجاهلها هو بدوره أيضاً.
نظر إلى المرأة حذراً مشدوهاً. كانت تنظف قنديلاً متسخاً، وكأنها انتهت من النصف المقابل لها وما زال النصف الآخر أسود. وقفت في الممر المظلم بجسمها الضخم المكتنـز، وأثار الطقس بادية على وجهها الخالي من التغضن، شفتاها مطبقتان وعيناها البراقتان تنظران إليه ببلادة وفضول، رنا إلى حذائها الشبيه بأحزمة مترابطة، وتساءل .. لو أن الطقس صيف لرأيتها حافية القدمين.
لقد اعتاد بومان أن يقدر عمر المرأة من نظرة واحدة، فقدر عمر تلك المرأة بخمسين سنة. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً ذا قماش خشن رمادي، جفف من الماء بطريقة سيئة، تظهر منه ذراعاها الورديتان المستديرتان، وقد حافظت على صمتها وتنظيفها للقنديل. أردف بومان ثانية:
ـ نهار سعيد يا سيدتي..

والى اللقاء مع تتمة القصة


[/frame]
 
المواضيع المتشابهة

روووح الحب

كاتب جيد جدا
رد: من روائع الأدب العالمي

مرحبا
حبيبي ماهر بادرة ممتازة منك
وموضوع رائع أدعو الجميع للمشاركة هنا
ويثبت الموضوع للأستفادة
تحياتي للجميع
كونوا سعداء
 

شموخ رجل

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

مرحبا
حبيبي ماهر بادرة ممتازة منك
وموضوع رائع أدعو الجميع للمشاركة هنا
ويثبت الموضوع للأستفادة
تحياتي للجميع
كونوا سعداء
أشكرك على المرورالرائع صديقي الغالي روووح الحب
وشكرا على التثبيت يا غالي
الحقيقة هو موضوع مفيد للجميع
تحيتي لك
 

شموخ رجل

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

فكرة حلوة
اكيد راح شارك اذا بتسمحلي
يعطيك الف عافية

شكرا على مرورك الرائع سارة
اكيد فيكِ تشاركي انتِ والبقية
تحيتي لكِ
 

ترانيم العشق

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

تحميل رواية ترويض الشرسه وليم شكسبيرمترجمه للعربيه







اميرة على غير عادة النساء متمردة

ترفض الخضوع لاى رجل

متعجرفة

غامر احد الامراء بمحاولة ترويضها

و حاول

هل سينجح ؟؟؟؟


ترويض الشرسة ( النمرة)

يعتقد بعض النقاد ان هناك وثيقة بين هذه المسرحية ,

ومسرحية اخرى مفقودة كتبت عام 1594م تحت عنوان

( قصة خيالية ممتعة اسمها ترويض الشرسة)

غير ان بعض النقاد الاخرين يعتقدون

ان قصة المرأة الشرسة شائعة في الاداب الشعبية.




تحميل رواية ترويض الشرسه وليام شكسبير بصيغة pdf


ارجو ان تستمتعوا بقراءتها
 

شموخ رجل

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

..قصة موت بائع متجول للكاتبة الامريكية: يودورا

كانت تحدق، لكن لم يعلم بومان بأنها تحدق فيه أم في شيء آخر، ثم أخفضت عينيها لتصغي إلى ما سيقول.
ـ أتساءل فيما إذا كان بوسعك أن تساعديني! قال بومان.. هناك حادث.. سيارتي.. فردت بصوت منخفض كأنه آتٍ من بحيرة نائية.
ـ صوني.. هل أنت هنا؟..هل أنت هنا الآن..
فكر بومان، هل صوني هذا قادر على إخراج سيارتي. أشار بومان إلى أسفل التلة:
- سيارتي في تلك الحفرة وأنا بحاجة إلى مساعدة. ردت المرأة ثانية:
- صوني.. أأنت هنا؟.. إنه ليس هنا !.. توضح لبومان أن صوتها قوي وتبدو كأنها بلهاء. غدا الأمر لا يحتمل، فقدان الطريق وانتظار هنا، إنه لأمر ممل، تنفس قليلاً وسمع صوته يعلو فوق نبضات قلبه: لقد كنت مريضاً.. لست قوياً بعد، فهل بإمكاني الدخول؟ انحنى بومان ووضع قبعته السوداء على قبضة حقيبته وأحس بتيار يصعقه، رنا إلى المرأة، والرياح تعبث بخصلات شعره، كان بوسعه أن يستمر فترة طويلة على الوضع غير المألوف إلا أنه لم يكن رجلاً صبوراً، فعندما كان مريضاً اعتاد أن يستكين لتلك الوسائد خانعاً منتظراً دواءه وهو الآن بانتظار جواب المرأة.
نظرت المرأة إليه بعينين زرقاوين واستدارت وأبقت الباب مفتوحاً، انتصب بومان مقتنعاً بصحة تصرفاته ولحق بها إلى الداخل، وما أن دخل الغرفة حتى لامسه ظلامها كيد ناعمة وادعة. وضعت القنديل نصف المنظف على الطاولة؛ وأشارت بيدها ترشده إلى كرسي ذي مقعد أصفر صنع من جلد بقري، ثم ركنت قرب الموقد ساحبة ركبتيها تحت ردائها البسيط. أحس بالطمأنينة بادىء الأمر، ريثما بدت الغرفة كئيبة بجدرانها المؤلفة من ألواح الصنوبر الصفراء، وكان بإمكانه رؤية الغرفة المجاورة مع سرير ذي قوائم حديدية عبر الممر وعليه ملاءة مزركشة بألوان زاهية؛ تبدو كخريطة أو صورة ملونة كالتي رسمتها جدته في صباها عن احتراق روما.
كانت الرطوبة قوية في الغرفة فأحس بالبرودة. ركز عينيه على الموقد وعلى الأوعية المتوزِِِِعة في الزاوية؛ لقد رأى المدخنة الحجرية بدخانها الذي يلتف حول الهضبة وتساءل.. ليس ثمة نار في الموقد.! عندها، خيم السكون وانتشر صمت الحقول في المنطقة وتسربت الرياح إلى القاعة وأحس أنه في خطر غامض موحش، عليه أن يفعل شيئاً ما! أن يتكلم، قال :
ـ معي عدد من الأحذية النسائية الجميلة ذات أسعار منخفضة. لكن المرأة أجابت :
ـ صوني سيحضر، فهو قوي وشجاع، سيخرج سيارتك.
ـ أين هوالآن ؟
ـ إنه يعمل في مزرعة السيد ريدموند
ـ السيد ريدموند ! أحس ببهجة لهنيهة ريثما اكتشف أنه لا يعرف صاحب الاسم، شعر بالقلق وتمنى أن يبتعد عن أسماء هؤلاء الرجال المجهولين ومزارعهم.
ـ هل تسكنا معاً لوحدكما؟
اندهش لسماع صوته المعتاد المليء بالثقة والمؤثر وكأنه خصص لبيع الأحذية، فسؤال كهذا لا يهمه معرفة جوابه.
ـ نعم نحن وحيدين.. استغرب طريقة إجابتها التي استغرقت فترة طويلة وأومأت برأسها أيضاً، هل أرادت من وراء ذلك أن تخبره بأن ثمة شيئاً على وشك الحدوث، تساءل في سره باضطراب: ربما لا تريد تقديم يد العون له، أو ربما يتوجب عليه أن يتكلم إليها أكثر؛ فلقد عاش ما يقارب الشهر ولم يتحدث إلى أحد، بل واجه هلوسات في رأسه وحمى في جسمه، يا لهذه الدنيا، تركته ضعيفاً تحت رحمة الآخرين.
تعالت نبضات قلبه، حتى غدا فؤاده ينتفض كالسمكة في الشباك، تساءل طويلاً: لماذا لم تنتهِ المرأة من تنظيف القنديل المتسخ حتى الآن؟ وماذا دهاها لتبقى صامتة في الغرفة المقابلة؟ لقد ارتسمت على وجهها علامات الشجاعة والثقة، ربما لم تتكلم معه لسبب يرجع إلى خجلها من الغرباء، واستمر يراقب يديها الملتفتين على بعضهما كالملقط، وفجأة قالت:
ـ هذا صوني، إنه آت. لم يسمع بومان وقع أقدام، بل رأى رجلاً يعبر أمام النافذة ويدخل البيت مع كلبين للصيد، كان طويلاً وممتلئاً، وعلى خصره حزام تدلى على وركه، بدا في الثلاثين من عمره واكتسى وجهه حمرة وصمتاً، بنطاله موحل، وسترته عسكرية مموهة، تساءل بومان بدهشة: سترة من الحرب العالمية.. يا إلهي.. يا لها من سترة تشبه البدلات الاتحادية، أحس بومان بأنه يستخف به عندما لاحظ أنه ما زال يضع قبعته السوداء القذرة على رأسه، دفع بكلبيه بعيداً عن صدره، كان قوي البنية، وتنم حركاته عن وقار ورزانة، بدا كأنه نسخة لوالدته، وقفا بجانب بعضهما بعضاً، وأحس بومان بضرورة الإعلان عن وجوده أمام الرجل.
ـ صوني.. هذا الرجل سقطت سيارته في الحفرة، ويريد أن يعرف إذا كان بوسعك مساعدته.
قالت المرأة ذلك بعد لحظات.
لم يكن بإمكان بومان حتى التحدث في قضيته، استقرت أنظار صوني كلها عليه، فظن بومان أنه من الواجب التوسع في شرح مشكلته وتقديم شيء من النقود ليبدو أكثر وجاهة وهيبة، مر صوني بجانبه تتبعه قفزات كلبيه وتطلع إلى الخارج، كان يبذل جهداً حتى في الطريقة التي ينظر بها، وكأن باستطاعته أن يرمي بنظره بعيداً كحبل، أحس بومان أن عينيه لم تعد بإمكانهما أن تريا شيئاً، فالمسافة بعيدة جداً.
قال صوني:
ـ علي إحضار بغل وحبل.. وقريباً سأخرج سيارتك.
نظر في أرجاء الغرفة كأنه يتأملها، وتاه بصره داخلها، ثم أطبق شفتيه بثبات، ومشى والكلبان أمامه بخطوات واسعة وثابتة، عندما سمع بومان وقع خطوات الرجل قفز قلبه، وأحس به يعدو بداخله. قالت المرأة: "صوني سيخرجها "رددت العبارة بلحن موسيقي، وهي تجلس قرب الموقد. سمع بومان مطاردة بعض الحيوانات على الهضبة، بعد لحظات خرج صوني ومعه بغل بني ذو أذنين مخمليتين، نظر البغل داخل النافذة فأشاح بومان برأسه وشاهد المرأة تبادل البغل نظراته، وقد ارتسم الارتياح على وجهها، تكلمت بنغم عذب فظن أن صوتها جميل، لكنها لم تكن توجه الكلام إليه، إلا أنه شعر بفضول غريب ينبعث بداخله للكلام.
الآن، عندما خفق قلبه، خفقت معه روحه كمهر يتلاشى، حدّج في المرأة قليلاً، وبدأت أحاسيسه المختلطة تهز كيانه. لم يستطع الحراك، رآها تشبك يداً بأخرى، أراد أن يقول لها شيئاً لكنه أحس بالعجز. حاول أن يخبرها بمرضه، وكم كان يشعر بالوحدة، وأن قلبه يبذل مجهوداً فوق طاقته، وأنه أضحى يرفض هذا الفراغ، وبرغم كل هذا فإن قلبه المريض يصبو وينتظر الربيع الآتي، تعالي وامكثي في قلبي لتري أنه سيغمرك حباً كشلال دافق يجرك لأعماقه.
مسح وجهه بيده المرتجفة ورنا إلى المرأة الجاثية بصمت داخل الغرفة والتي تبدو كتمثال، وعندما أقبل الأصيل، كانت أشعة الشمس تلامس الوعاء الموضوع على الموقد، فكر بومان: غداً وفي مثل هذا الوقت سيكون قائداً لسيارته على طريق حصوي آخر، وأحس بالغبطة حين فكر بذلك، كما أنه أيقن بأن لا وقت لديه لإضاعته مع امرأة عجوز كهذه، وهنا وعلى حين بغتة، ولدت في داخله قوة جديدة أخذته بعيداً عن المكان.
ـ أظن أن صوني قد أخرج سيارتك الآن - قالت المرأة - وهو لا محالة سيخرجها من الوادي..
ـ حسناً، صاح بومان بلهجة حماسية، بدأ الظلام يزحف إلى الوادي، كان بومان منكمشاً في كرسيه، ففكر بأن ينهض ويذرع الغرفة بخطواته منتظراً الرجل، هناك شيء غامض في هذا السكون، أصاخ سمعه، وهدأت أنفاسه وأصبحت عيناه عاجزتان عن رؤية ما في الخارج بسبب الظلام المتزايد، أرهف السمع إلى أصوات ناعمة متتابعة ذات لحن جميل منبعثة من الخارج، لم يستطع تفسيرها " ما هذه الضجة" سأل بومان مخترقاً صوته الظلام، وخشي أن لا تكون الضجة إلا خفقات قلبه الصاخبة.
ـ ربما تسمع صوت الماء في الجدول.. قالت المرأة بازدراء وهي تقف بجانب الطاولة فأتى صوتها قريباً، تساءل بومان كما فعل من قبل، لماذا لم تشعل المرأة القنديل في الظلمة حتى الآن! قرر ألا يتكلم إليها مرة أخرى، وراوده تصور بألاّ يخطر في باله أنه سينام في تلك الغرفة ذات الظلمة البلهاء، اتجهت إلى النافذة ومدت يدها مشيرة على امتداد العتمة.. "تلك البقعة البيضاء هناك هي صوني". أدار وجهه إليها ثم أخذ يسترق النظر من فوق كتفيها متردداً في الوقوف إلى جانبها، بحثت عينيه في الهواء المثخن بالسواد، فوجد تلك البقعة التي أشارت إليها كورقة في نهر وكأنها قد أرته شيئاً سرياً للغاية، أشاح بوجهه بعيداً يحاول مقاومة دموع لم يحن لها أن تذرف بعد، إلا أنها التزمت بصمت كصمته، وعندما دخل صوني اهتز البيت مع خطواته فانحنت المرأة إلى جانبه. " لقد أخرجت سيارتك يا سيد " قال صوني من دون أن يراه. " وهي الآن تنتظر على الطريق هناك "..! "حسناً " قال بومان بلهجة لا تخلو من حزم وتابع :
ـ أنا ممتن جداً لصنيعك، ولا أظن أن بوسعي إخراج السيارة كما فعلت أنت.



وللقصة بقية..
 

رحيق الزهور

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[ALIGN=CENTER][TABLE1="width:95%;background-color:silver;border:10px double black;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]


قناع الموت الأحمر
قصة مترجمة للكاتب إدجار آلن بو
(Edgar Allan Poe)



منذ زمن بعيد وطاعون "الموت الأحمر" يهلك الحرث والنسل في هذه البلاد ، إذ ما من وباء كان ليضاهي فداحته و بشاعته أبدا، فقد كان يتجسد بالدماء أما علامته فقد كانت إحمرار الدم ورعبه، ويصاحب هجومه الشرس آلام شديدة ودوار مفاجئ يتبعه نزيف حاد، أما البقع القرمزية التي يخلفها على الجسم وخاصة تلك المنطبعة على وجه الضحية فقد كانت بمثابة الوباء اللعين الذي يحول دون وصول المساعدة إليه أو حتى من إشفاق أصحابه عليه، بيد أن هذه النوبة المرضية بأكملها من تطورها حتى انتهاءها لا تتعدى زهاء أحداث نصف ساعة من الزمن!

ورغم هذا الرعب الذي كان يزرعه الموت الأحمر في النفوس إلا أن أمير البلاد، بروسبيرو لم يكن مكترثا لذلك، إذ عندما فتك هذا المرض اللعين بنصف سكان أراضيه الخاصة دعا إلى حضرته أكثر من ألف صديق من بين فرسان قصره الأصحاء ونساءه الحسناوات، واختلى بنفسه بعيدًا مع هؤلاء المدعوين في إحدى أجمل كنائسه الحصينة وأوسعها حيث كان هذا الذوق الغريب والمهيب نِتاج إبداع الأمير نفسه، لقد كانت الكنيسة مسوّرة بجدار منيع وشامخ وتحرسها بوابات حديدية، وفور دخول رجال الحاشية إلى الكنيسة أحضروا الأفران الملتهبة والمطارق الضخمة وقاموا بلحام الأقفال سعيا إلى إحباط أدنى وسيلة للدخول إليها أو الخروج منها لأي سبب كان، كما تم توفير جميع المؤن الضرورية داخل الكنيسة، حيث سيتسنى لرجال الحاشية الآن تحدى العدوى بهذه التدابير الوقائية، أما العالم الخارجي فبإمكانه الاعتناء بنفسه، ذلك أن مجرد الحزن على أولئك القابعين في الخارج أو التفكير بحالهم لا يعدو كونه حماقة كبرى، والفضل في هذا يرجع إلى الأمير حيث قام بتوفير جميع سبل الراحة والترفيه من مرتجلين وراقصات البالية وعازفي الموسيقى والحسناوات والشراب، وجميع هذه المظاهر كانت بمأمن في الداخل أما في الخارج فقد كان يقبع "الموت الأحمر".

وعندما اقتربت عزلة الأمير في داخل كنيسته من شهرها الخامس أو السادس قام باستضافة أصدقاءه الألف لحضور حفلة رقص تنكرية لم يسبق لها مثيل. لقد كانت هذه الحفلة التنكرية مسرحا مثيرًا للحواس، لكن في البداية اسمحوا لي أن أخذكم في جولة داخل القاعات التي أُحيت فيها هذه الحفلة، لقد كنُّ سبع قاعات أو بالأحرى جناحًا إمبراطوريًا ضخمًا، إن أجنحة كهذه في العديد من القصور تشكل أفقًا طويلاً وممتدا تترامى على جدرانه الأبواب على كلا الجهتين من دون أن تتيح لأي شيء بإعاقة منظر النطاق. بيد أن الأمر في هذا القصر بالذات يختلف تمامًا عما هو معتاد وهو ما يمكن توقعه من حب الدوق للغرائب، فقد كانت هذه الغرف موزعة بطريقة غير متناسقة مطلقةً العنان للبصر بمعانقتها بشدة مرة بعد مرة لينتهي بها المطاف باستدارة حادة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار بحيث تتوسط كل جدار نافذة طوقية طويلة وضيقة تطل على ممر مغلق يتتبع التفافات الجناح، لقد كانت هذه النوافذ مصنوعة من زجاج تتفاوت ألوانه طبقا للون الزخرفة السائد في الغرفة التي تفتح بداخلها هذه النافذة، فعلى سبيل المثال، كانت الغرفة في أقصى الشمال تتشح باللون الأزرق الزاهي وكذا كانت نوافذها زرقاء مشرقة، أما في الغرفة الثانية فقد كانت حليها وأقمشتها تزدان باللون الأرجواني ، لذلك كان اللون الأرجواني منعكسا على ألواح نوافذها الزجاجية، الغرفة الثالثة كانت خضراء نظرة وكذلك كانت نوافذها البابية، أما الغرفة الرابعة فقد كان أثاثها يشع بلون أزرق باهي ... الغرفة الخامسة بيضاء كشعاع الشمس والسادسة بلون أزهار البنفسج، أما الغرفة السابعة والأخيرة فقد غُطيت بعناية فائقة بأقمشة النجود المخملية الداكنة التي كانت تتدلى من أعلى سقف الغرفة لتعانق الحيطان ومن ثم تهوي بشكل لفافات ثقيلة على سجادة مصنوعة من اللون والمواد ذاتها، بيد أن لون النوافذ في هذه الغرفة-فقط- أخفق في الانسجام مع زخارفها، لقد كانت قرمزية كلون الدم الأحمر القاني، وبالرغم مما تتمتع به هذه الغرف السبع من أجواء احتفالية ووسط كل تلك الحلي والمجوهرات الذهبية المنتشرة هنا وهناك والمتدلية من أسقفها إلا أن أياً منها لم يكن بداخلها شمعدان أو مصباح مضيء، لقد كان المكان يفتقر لأدنى مصدر ضوئي، ولكن في ممرات الجناح وقبالة كل نافذة كان هناك مشعل يسلط أشعته المتوهجة عبر الألواح الزجاجية الملونة ليضيء الغرفة بوهجه الساطع، لقد شكلت هذه الأجواء المتداخلة العديد من المظاهر المبهرجة والرائعة، ولكن وهج النار في الغرفة الغربية أو الخلفية كان فضيعًا إلى أبعد الحدود، فقد كان ينسدل على الستائر الداكنة عبر الألواح المتشحة بلون الدم وهو أمر بعث في نفوس أولئك الذين دخلوها نظرة موحشةً جدًا، لذلك لم يكن بداخلها سوى عدد بسيط جدا ممن كانت لديهم الجسارة الكافية لأخذ موضع قدم داخل فناءها.

وقبالة الحائط الشرقي لهذه الغرفة أيضا تنتصب ساعة عملاقة مصنوعة من خشب الأبنوس، يتراقص بندولها جيئةً وذهابًا محدثًا ضجيجًا رتيبًا وثقيلاً ومملاً، وما أن يكمل عقرب دقائقها دورته الزمنية وتتأهب هي لتطلق نغماتها حتى يصدر من رئتيها النحاسيتين صوتٌ واضحٌ وقوي، عميقٌ وموسيقي، ولكنه يتسم بنغمة غريبةٍ جدًا، نغمة تجعل عازفي الأوركسترا يتوقفون رغما عنهم عن عزف مقطوعاتهم الشجية لبرهة من الزمن مع انقضاء كل ساعة زمنية لينصتوا بإمعان إلى ذلك الصوت الأمر الذي يدفع الراقصين كذلك إلى التوقف بسبب تلك الربكة القصيرة التي قاطعة نفوسهم المرحة في حين أن الساعة لا تزال مستمرة في مخاضها الموسيقي، في هذه اللحظة بالذات تنمو ملامح الشحوب على محيى أكثر المحتفلين استهتارًا، أما أولئك المسنين والرصينين فقد جعلوا أياديهم تحلّق فوق جباههم كما لو كانوا مستغرقين في تفكير حالم أو تأمل مشوش، ولكن ما أن تتوقف الأصداء بالكامل حتى تخترق ضحكة خفيفة جموع الحاضرين ويتبادل بعدها العازفون النظرات فيما بينهم ويرسمون الابتسامات على شفاههم كما لو كانوا يسخرون من حماقتهم ونوبة الارتباك التي ألمت بهم، وهنا يهمس الواحد منهم للآخر واعدًا إياه بأن الدقات القادمة يجب أن لا تحرك فيهم مثل هذه المشاعر ثانية، وهكذا يمر الوقت سريعا وتنقضي معه ستون دقيقة أي ما يعادل ثلاثة آلاف وستمائة ثانية من الوقت الذي مضى لتمطر الساعة المكان بدقاتها المدوية محدثة بذلك نفس الإرباك والرعشة والتأمل كالسابق.

ولكن بالرغم من هذه الأجواء المشحونة والمشدودة إلا أن الحفلة كانت تعج بألوان المرح الصاخب، فالمحتفلون يعلمون أن للدوق أذواقا غريبة وحسًا مرهفًا جدًا في انتقاء التأثيرات اللونية والصوتية، وهو من أولئك الذين لا يستسيغون الأعمال الزخرفية المجردة، فمخططاته تتسم بالجرأة ومفاهيمه في الحياة تتوهج بلمعةٍ بربرية، وقد حدا هذا الأمر بالبعض منهم إلى الاعتقاد بأن الجنون قد مس الأمير، إلا أن أتباعه المخلصين لا يرون فيه ذلك رغم ضرورة الاستماع إليه ورؤيته أو حتى لمسه للتأكد من أنه بكامل قواه العقلية.

واحتفاءً بهذه المناسبة العظيمة قام الدوق بنفسه بالإشراف على الجزء الأكبر من هذه الزخارف المتحركة في الغرف السبع، كما أنه هو شخصيًا وجّه جميع المحتفلين على تقمص شخصياتهم التنكرية حسب ذوقه الخاص، حيث شدد على أهمية ظهورهم بشكل مشوه، لقد كان المكان مشوبًا بالكثير من الوهج والتألق، بالإثارة والخيال، بمثل تلك المناظر التي شوهد معظمها في مسرحية "هيرناني"، هناك زخارف من الأرابسك لها تفرعات وعلامات غير متناسقة، كما أن هناك أزياء تنكرية غريبة جدًا كتلك الملابس التي يرتديها المجانين، لقد كانت الحفلة تعج بالكثير من المحتفلين الأنيقين، العديد من المستهترين، وغيرهم من غريبي الأطوار وبضعة من الفظيعين وليس بقليل من ذلك أولئك الذين قد تكون صورهم مدعاة للتقزز. في الواقع، كانت هناك أشكالا متعددة من الأحلام تطوف بداخل الغرف السبع جيئةً وذهابا، لقد كان الحالمون يتلوون داخل هذه الغرف وخارجها، يسلبون منها ألوانها المتداخلة حتى أن موسيقى الأوركسترا الصاخبة كانت لتبدو كصدى وقع أقدامهم. وعما قريب تزفر الساعة المنتصبة في غرفة الأقمشة المخملية بدقاتها المعتادة، عندها، وللحظة قصيرة، يسكن الجميع، ويخيم صمت عميق على الجميع ما عدا صوت الساعة، وينتصب الحالمون كجثث هامدة، ولكن لا تلبث أصداء الرنين طويلا حتى تذبل...إنه شيء لا يطاق... وما أن تخمد هذه الأصداء حتى يتبع رحيلها ضحكة يمتزج فيها اللطف والقهر، في هذه الأثناء تصدح الموسيقى بصداها عاليا وتنتعش أرواح الحالمين وهم يجوبون الغرف جيئة وذهابا بمرح أكثر من ذي قبل لتتلون أجسادهم بألوان النوافذ ووهج المشاعل، في هذه الأثناء تخلو الغرفة في أقصى الجهة الغربية من مرتاديها الذين خاطروا بأرواحهم لدخولها، لقد بدأ الليل بإسدال ستاره المعتم على الغرفة، كما أن هناك ضوءً متورداً ينبثق من خلال الزجاج الملطخ بلون الدم، والأقمشة المخملية تبدو مرعبة جدا وسط هذه العتمة، كما أن أولئك الذين وضعوا أقدامهم على السجادة الداكنة أحسوا بتلك الجلجلة المكتومة التي تحدثها ساعة الأبنوس والتي حملت في طياتها رهبة مثيرة أكثر من أي شيء التقطته مسامعهم أثناء انغماسهم في ملذات الغرف البعيدة ومباهجها.

بيد أن الحال في الغرف الأخرى كان مغايرا تماما، فجميعها يعج بالمحتفلين ودبيب الحياة ينتشر في جميع أوصالها، ولا يزال الفرح يغمر المكان، حتى إذا ما مضى وقت طويل تبدأ بعده الساعة بترديد أصداء منتصف الليل، عندها تحبس الموسيقى أنفاسها حسبما ذكرت آنفا، ويهدأ نشاط الراقصين ويخيم على المكان سكون مضطرب في كل شيء كالسابق، ولكن في هذه المرة سيصدر جرس الساعة اثني عشرة دقة، وهكذا بدأ العد لتتزاحم معه الكثير من الأفكار ويمتد معه الاستغراق في التأمل وسط أولئك المعربدين، وهكذا قبل أن تغرق آخر أصداء الدقة الأخيرة في صمت عميق كان هناك العديد من المحتشدين الذين ما أن أحسوا بالراحة حتى انتبهوا لوجود شخص مقنع لم يلفت انتباه أي منهم من ذي قبل، وبدأت إشاعة ظهور هذا الزائر الجديد بالانتشار في جميع الأروقة، ولم يحدث أزيز المحتفلين وهمهمتهم بهذه الإشاعة تقززا فقط بل ورعبا مخيفا أيضا.

في خضم هذه المفارقة المجتمعة للأوهام التي قمت برسمها يمكن القول بأن ما من مظهر عادي قد يثير مثل هذه الأحاسيس، بل إن الحقيقة عارية أمام لا محدودية حرية التنكر في هذه الليلة، بَيْدَ أن الشخص المشبوه قد فاق هيروديد هيرود وتعدى كثيرا حدود الحشمة التنكرية لشخص الأمير نفسه، لقد انتابت قلوب أكثر الحاضرين تهورا عاطفة جياشة لا يمكن مجابهتها ببرودة أعصاب، حتى أن أولئك البائسين تماما ممن يعتبرون الحياة والموت دعابتان متشابهتان يؤمنون بوجود أمور يستحيل المزاح فيها. وبالفعل طاف على الجميع شعور عميق بأن ملابس الغريب ومغزاه من هذا التنكر لا ينمان عن خفة دم ولا أدب ظاهر، فهذا الشكل البشري الطويل والهزيل مكفن من رأسه إلى أخمص قدميه بأكفان المقابر، أما القناع الذي يواري خلفه صفحة وجهه فقد صُنع بطريقة تشبه ملامح جثة متيبسة يصعب على أدق الفحوص اكتشاف الخدعة التي عملت بها، ومع ذلك كان بإمكان المعربدين الغاضبين في الجوار تحمل هذا النوع من الدعابات وإن لم يستسيغوها لولا تمادي هذا المهرج المتنكر في طريقة تنكره إلى درجة أنهم شبهوه بأحد أنواع الموت الأحمر، فقد كان رداءه يعتصر دما، أما حاجبه الواسع وجميع ملامح وجهه كانت تمطر رعباً قرمزيا.

لقد لاحظ الجميع ما آل إليه حال الأمير بروسبيرو من اضطراب عندما ألقى بناظريه على هذه الصورة الطيفية وهي تتحرك ببطء وهيبة وتخطوا بشموخ جيئة وذهابا بين الراقصين وكأنها تؤدي دورها ببراعة تامة، ففي اللحظة الأولى انتابته قشعريرة قوية ساقتها الرهبة والتقزز، أما في اللحظة التالية فقد استشاط غضبا وزمجر بصوته الأجش :" من ذا الذي يجرا؟ "، موجها سؤاله إلى خدمه الواقفين بقربه: " من ذا الذي يجرأ على إهانتنا بهذه المهزلة الكافرة؟ امسكوا به، واخلعوا عنه قناعه لنتعرف على هذا الذي سنعلقه من على شرفات الكنيسة عند شروق الشمس".

لقد كان الأمير بروسبيرو في الغرفة الزرقاء عندما أطلق تلك الصيحات التي دوى صداها بشدة ووضوح جميع أرجاء الغرف السبع، ولا عجب في ذلك فالجميع يشهد بشجاعة الأمير وغلظته، إذ بمجرد أن لوح بيده في الهواء حتى حبست الموسيقى أنفاسها.

وقف الأمير في الغرفة الزرقاء وإلى جانبه مجموعة من أفراد حاشيته وقد كسا الشحوب وجوههم، في البداية وأثناء ما كان الأمير يتكلم هرعت جماعته بحركة خفيفة تجاه الشخص الدخيل الذي كان في هذه اللحظة أيضا قريبا من قبضتهم وهو يهم بخطى حثيثة وثابتة ليدنو من الأمير، ولكن كان لتلك الهيبة الغامضة التي فرضتها تلك الإشاعة بتخيلاتها المجنونة على الجميع لم تتح لأي منهم المجال لأن يحرك ساكنا للقبض عليه، وهكذا وبدون أية إعاقة عبر المتنكر فناء شخص الأمير ذاته، وبينما كانت الجموع الغفيرة تندفع كموجة ممتدة من أواسط الغرف إلى جدرانها كان الدخيل يشق طريقه دون عناء وبنفس الخطى المهيبة والمدروسة التي ميزته منذ البداية مارًا عبر الغرفة الزرقاء إلى الأرجوانية ومن الأرجوانية إلى الخضراء ومن الخضراء إلى البرتقالية وعبر هذه الغرفة إلى البيضاء وحتى من هناك إلى البنفسجية قبل أن تكون هناك حركة حازمة لاعتقاله، عندئذ جن جنون الأمير بروسبيرو وهو يرى عار الجبن وقد لحق به في تلك اللحظة لينطلق مسرعا كسهم أفلت من قوسه عبر الغرف الست، ولكن تلك الرهبة القاتلة التي ألمت بالجميع لم تسعف أحدا منهم على اللحاق بصاحبهم، حينها استل الأمير خنجره المغمود عاليا ودنى سريعا بمقدار ثلاثة أقدام أو أربعة من الشخص الدخيل، ولكن عندما وصل هذا الأخير إلى آخر أتون الغرفة المخملية استدار فجأة ليواجه الشخص الذي يطارده... هناك..انطلقت صرخة شديدة سقط إثرها الخنجر اللامع على السجادة الداكنة التي ما لبثت هي الأخرى حتى خر عليها الأمير بروسبيرو ميتا، واستجمع المحتفلون قواهم البائسة وألقوا بأجسادهم دفعة واحدة داخل الغرفة السوداء وهموا بإحكام قبضتهم على المتنكر الذي مازال هيكله الفارع والنحيل منتصبا بلا حراك تحت ظل ساعة الأبنوس، إلا أنهم صعقوا جميعا عندما رؤى الأكفان والجثة- حالها حال القناع الذي تنازعون بينهم بعنف- ليتبينوا في نهاية المطاف أن ما من جسد ملموس بداخلها!

وتيقن الجميع الآن من وجود الموت الأحمر بينهم، فقد تسلل إليهم كلص في غيهب الليل، واخذ يلقي بالمعربدين الواحد تلوى الآخر في القاعات المضرجة بالدماء وكل منهم يسقط أرضا يموت على تلك الحالة المزرية لسقوطه أرضا. ومع آخر ألوان المرح تلفظ الساعة أنفاسها الأخيرة وتخمد ألسنة المشاعل ويسدل الظلام عتمته الموحشة ويعم الخراب والدمار في كل مكان ويبسط الموت الأحمر هيمنة مطلقة على كل شيء.




طرحك رائع
اكيد لي عودة
جديدة
تحياتي لك


[/ALIGN]
[/CELL][/TABLE1][/ALIGN]​
 

ترانيم العشق

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

رواية أنا كارنينا


للمؤلف ليو تولستوي





ارجو لكم متعة المطالعة
 

ترانيم العشق

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

دافنشي كود




رواية اثارت جدل واسع في جميع الدول الأوروبية ...
وبعد البحث في الأنترنت اكتشفت ان حتي الدول العربية شاركتهم الأحتجاج والأستغراب بعضها لديهم اعذارهم والأخيرين يبحثون عن طريقة لأثبات تفتحهم وثقافتهم علي طريقة ((معاهم معاهم عليهم عليهم )) حتي بعض الكتاب في الجرائد اليومية قارنوا بين الفلم والكتاب ورجحوا تفوق الكتاب ... رواية دافنشي كود اتفق الجميع علي روعة قرأتها وحبكتها البوليسية




شيفرة دافنشي ..ممنوعة في الأردن أيضا!

اجمل وصف للقصة وردود الفعل بنظري



وخلاصة القول إن مؤلف رواية "دافنشي كود" يتطرق لمواضيع حساسة تتعلق بصلب الاعتقاد المسيحي، وببساطة يمكن القول إن الرواية تتعرض للدور الخطير الذي قام به الإمبراطور قسطنطين الروماني في ترسيخ المسيحية الحديثة عن طريق خلق دين هجين يجمع بين المسيحية والوثنية، التي كان يؤمن بها.

بقلم طارق ديلواني


كما هو الحال في معظم الدول العربية حظرت الأردن مؤخرا رواية "شيفرة دافنشي المثيرة للجدل" للروائي الأمريكي دان براون بعد أيام من تداولها وبيعها في السوق.
المثير في أمر هذه الرواية مثار الجدل، هو أن قرار منعها من قبل دائرة المطبوعات والنشر الأردنية جاء بتوصية من مجلس الكنائس العالمي بعد ارتفاع أصوات العديد من الرموز المسيحية الأردنية التي تنادي بحظر "رواية الشر" هذه في مشهد يذكر بأجواء ما بعد إعلان رواية آيات شيطانية.


* ضجة عالمية وأخرى أردنية!

الضجة العالمية حول هذه الرواية جاءت مبكرة وقبل نحو عامين لمنعها، وصلتنا متأخرة ربما بسبب ترجمتها بعد فترة من صدورها إلى العربية.
يقول الأب رفعت وهو من أوائل المعارضين لهذه الرواية أن شخص السيد المسيح تعرض على مدار تاريخ الكنيسة لمحاولات دراسة وتحليل. والكثير من هذه المحاولات لا ترتكز على معطيات الكتاب المقدس ولا على أي أسس علمية. "النظريات يجب أن تحترم الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة الذي لا ينكر أن فيه بعض الأخطاء، بحكم أن الكنيسة تدار من قبل بشر، إلا أن هذا الأمر لا يبرر الإساءة".الأب رفعت بدر استند في الكثير من نقاط انتقاده ورفضه لهذه الرواية إلى البيان الذي نشره المركز الكاثوليكي للإعلام في بيروت.
بينما يرى الأب حنا الكلداني من مطرانية اللاتين أن كون الكتاب يتعرض لشخص السيد المسيح لا يجعله محظورا، ويضيف أن من الخطأ التعامل مع الناس على أنهم قاصرون وغير قادرين على اتخاذ قرار بشأن كتاب سواء أكان جيدا أم سيئا.


* وثنية مسيحية أم مسيحية وثنية؟!

المثير أن ردود الفعل متقاربة سواء في الوسط الإسلامي الذي دهش لهذا السرد التاريخي المغير لحقائق دينية مسيحية عديدة أو حتى الوسط المسيحي الكاثوليكي المتشدد في كل ما يتعلق بعقائده الموروثة.
الرواية المثيرة للجدل والتي تقع في نحو 500 صفحة من القطع المتوسط تحاول كشف التأثيرات المتبادلة والتفاعلات بين الأديان السابقة للمسيحية وبين المسيحية نفسها، وتحديدا بين الوثنية وبين المسيحية وكثيرون ممن قرأوا الرواية وجدوا فيها الكثير من محاولات التشكيك بأسس العقيدة المسيحية التي تنص علي بعضها أيضا العقيدة الإسلامية.
وأقل ما يمكن أن يقال في هذا الشأن أن بين أيدينا نموذجا حيا لثنائية الدين والسياسة.
واللافت أن هذه الرواية لمؤلفها دان براون والتي بيع منها حتى الآن أكثر من 9 ملايين نسخة ومن 50 لغة، والتي قامت "الدار العربية للعلوم" - بيروت، بترجمتها وطباعتها، وظفت مقولات مقدسة ومقبولة دينيا إسلاميا ومسيحيا لتسقطها على أحداث وتحولات وصراعات تاريخية ودينية وسياسية.
وتحاول الرواية عبر شخوصها وأحداثها وعقدها، عرض أفكار تناقض العقيدة المسيحية الحالية على نحو جوهري، بل إنها تنسف أحيانا بين سطورها حقائق عقدية غاية في الأهمية.


* قصة الرواية!

قصة الرواية المثيرة تحكيها مجموعة شخصيات رمزية غير حقيقة تبدأ في متحف اللوفر وبنفس بوليسي للوصول إلى حقائق تاريخية مدفونة، تسلط الضوء على جماعة دينية تدعى جمعية "سيون" الدينية التي تثير بمعتقداتها الكثير من الإشكال حول صحة معظم معتقدات المسيحيين، ويعد ليوناردو دافنشي أحد أبرز أعضائها
التسلسل البوليسي لجريمة قتل في اللوفر تتطور لسرد تاريخي حول هذه الجمعية التي يعد القتيل أحد أفرادها لتعود بنا إلى تاريخ قسطنطين الذي يعتقد "السيونيون" أن المسيحية دخلت منعطفا تاريخيا عندما تنصر الإمبراطور قسطنطين، وأدخل تعديلات خطيرة على المسيحية، مخالفة لسياقها وانتمائها الأصلي لسلسلة الديانات والرسل من قبيل ألوهية المسيح. وأن لمسيحية الحالية هي مسيحية من صنع قسطنطين وأن المسيحية الحقيقة هي ما يؤمن به


هؤلاء "السيونيون".

وتعرض القصة من خلال سردها للأحداث لكثير من المعتقدات التي تشكل خطا أحمرا بالنسبة لمسيحي اليوم على اختلاف طوائفهم، ومثال ذلك أن المسيح باعتقاد جماعة "السيونيون" رجل عادي تزوج من مريم المجدلية، وأنجب منها بنتا سميت "سارة" وأن ذريتها الملكية باعتبار أن المسيح من ذرية داود وسليمان باقية حتى اليوم"..
وإن وظيفة أعضاء جمعية سيون حماية هذه الأسرة الملكية من نسل المسيح ومريم المجدلية والحفاظ عليها وبالعودة لأحداث القصة فإن "سونيير" مدير متحف اللوفر هو آخر رئيس للجمعية، وهو أيضا من هذه السلالة الملكية.
القصة لذا تعرض وتبشر بـ "المسيحيين الجدد" وهؤلاء المسيحيون (الجدد) بحسب السرد التاريخي الذي امتزج بالروائي في "شيفرة دافنشي" هم "السوينوين".


* "السيونوية " .. والمسيحية الوثنية!

والسيونية التي تعرض لها الرواية تبدو مزيجا من الوثنية والمسيحية فهي تؤمن بالمسيح وتعتقد بأتباعه، وتعتقد أيضا ببشريته وبالمعتقدات السابقة للمسيحية.
وخلاصة القول إن مؤلف رواية "دافنشي كود" Da Vinci Code يتطرق لمواضيع حساسة تتعلق بصلب الاعتقاد المسيحي، وببساطة يمكن القول إن الرواية تتعرض للدور الخطير الذي قام به الإمبراطور قسطنطين الروماني في ترسيخ المسيحية الحديثة عن طريق خلق دين هجين يجمع بين المسيحية والوثنية، التي كان يؤمن بها.
ووردت في الكتاب أيضا أمور تشكك في مجمل الاعتقاد المسيحي، كقول مؤلفه إن 25 ديسمبر هو عيد ميلاد الإله الفارسي "مثرا" الذي يعود إلى ما قبل ميلاد المسيح. وإن الهالات التي تحيط برؤوس القديسين هي أقراص الشمس المأخوذة من المصريين القدماء.
وإنه في البداية كان المسيحيون يتعبدون يوم الشبط، أو السبت اليهودي، ولكن قسطنطين غيَّر اليوم ليتوافق مع اليوم الذي يقوم فيه الوثنيون بعبادة الشمس Sunday.وإن مدينة "نيقية" هي التي شهدت، عن طريق التصويت الذي شارك فيه كهان مسيحيون، ولادة فكرة أُلوهية المسيح وغير ذلك من الأسس الأخرى.

ورأى قسطنطين أنه يجب اتخاذ قرار حاسم، إذ قرر عام 325 توحيد الإمبراطورية تحت لواء دين واحد هو المسيحية، لكنه أنشأ دينا هجينا مقبولا من الطرفين، وذلك بدمج الرموز والطقوس الوثنية والمسيحية معا.
وتنسف الرواية حقائق عقدية مسيحية غاية في الرسوخ من قبيل أن ألوهية المسيح حاجة ملحة وضرورية للسلطة السياسية تم اعتمادها كضرورة فقط.والمثير ما تقوله الرواية من أن قسطنين أمر بإنجيل جديد أبطل الأناجيل السابقة التي تتحدث عن إنسانية المسيح وبشريته وجمعها وحرقها كلها.


* الدين في خدمة السياسة!

وهنا يشير الكاتب والباحث الإسلامي الأردني إبراهيم غرايبة إلى أن وثائق البحر الميت التي اكتشفت عام 1950 وتنازعت عليها الأردن وإسرائيل تعد دليلا مخالفا لأناجيل قسطنطين، فقد تحدثت تلك الوثائق عن كهنوت المسيح بمصطلحات إنسانية تماما، وهي تلقي الضوء على فبركات تاريخية تؤكد أن الإنجيل قد أعد ونقح على أيدي رجال ذوي أهداف سياسية.
ويضيف الغرايبة أن في القرآن إشارة لتأثير الأديان خاصة معتقدات الخصب والعطاء على بني إسرائيل، مثل عبادة بعل إله الخصب والعطاء عند الفينيقيين، وقد تحول بعض بني إسرائيل لعبادته، فكان إلياس الرسول (الذي يعيش في بلدة في مدينة عجلون شمال الأردن، ومازالت كنيسة مار الياس التي بنيت في أوائل القرن السابع الميلادي قائمة في المكان)، يخاطب قومه كما في القرآن "وإن الياس لمن المرسلين، إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين"، وربما يكون سفر نشيد الإنشاد في العهد القديم المنسوب إلى سليمان هو من امتدادات وتأثير الأديان السابقة التي تقدس الخصب والأنثى.

ويعتقد غرايبة أن رواية " شيفرة دافنشي" ليست أكثر من محاولة لفهم تأثير المسيحية على ديانات كانت سائدة، وتأثير هذه الديانات والمعتقدات على فئات وطوائف مسيحية فنشأت طوائف تمزج بين المسيحية والأديان السابقة، كما في حالة فرسان الهيكل وأخوية سيون، وقد بقيت المسيحية العربية برأيه فترة طويلة تؤمن بالتوحيد وترفض عقيدة التثليث التي يؤمن بها مسيحيو اليوم!

 

رحيق الزهور

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[ALIGN=CENTER][TABLE1="width:95%;background-color:silver;border:10px double blue;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]
"العجوز والبحر"
رائعة ارنست هيمنجواي







ارنست هيمنجواي روائي وقصاص أمريكي ومن أشهر أدباء القرن العشرين ، أنهى حياته منتحراً في الثاني من يوليو 1961،


تعد روايته "العجوز والبحر" واحدة من أشهر رواياته، وآخر أعماله تم نشرها عام 1952، وحصل عنها على جائزة "بوليترز" في نفس عام صدورها، ثم حصل بها على جائزة "نوبل" في الآداب عام 1954،

وجاء في تقرير اللجنة أن الجائزة منحت له لتفوقه وامتلاكه لناصية الأسلوب في فن الرواية الحديثة.

ونعيش في السطور التالية مع أبطال الرواية العالمية "العجوز والبحر" ..

الصياد العجوز

تبدأ الرواية بالتعريف ببطلها وهو رجل عجوز يدعى "سانتياجو"أضنته الشيخوخة ولكن له عينان يملؤهما الأمل ، يعمل بالصيد وحده في مركب شراعي صغير في مجرى الخليج، لم يظفر حتى الآن بأية سمكة منذ أربعة وثمانين يوماً مضت .

قصة حب ووفاء ربطت بين الصياد العجوز "سانتياجو" والصبي "مانولين" الذي كان يساعده في مهمات الصيد، ولكن نظراً للحظ السيئ الذي عانى منه "سانتيجو" أجبر والد الصبي ابنه على ترك العجوز والعمل مع صياد آخر يكون أوفر حظاً.

وعلى الرغم من ذلك لم يتخل الصبي الصغير عنه فكان دائم الذهاب إليه راجياً العودة للعمل معه مرة أخرى، وتدور بينهما الكثير من الأحاديث عن البحر والصيد وأمجادهم التي حققاها معاً، والبيسبول هذه الرياضة التي كان يعشقها "سانتياجو" ويتابع أخبارها وأبطالها.

الانطلاق في البحر

جاء اليوم الخامس والثمانين ليضاف للأيام التي لم يحالف الحظ فيها سانتياجو باصطياد أية سمكة، وقد أصر الصبي الصغير على مساعدته وإحضار السردين اللازم للصيد قائلاً إذا كان لا يمكنني أن أصطاد معك فلا أقل من أن أخدمك بطريقة ما.

استيقظ الصياد مبكراً فجر هذا اليوم وذهب لإيقاظ الصبي الذي ساعده في إعداد المركب فحمل حبال الصيد والرمح والخطاف وجهزه بالطعم الطازج والسردين، بينما حمل هو الصاري فوق كتفه ووضع الاثنان جميع المعدات في المركب، وودعه الصبي متمنياً له حظاً سعيداً.

ثبت العجوز مجدافيه في موضعهما وانطلق خارجاً من المرفأ تحت جنح الظلام عاقد العزم على التوغل في البحر بعيداً.

كان سانتياجو يؤمن أنه خلق في هذه الحياة من اجل مهمة محددة وهي أن يكون صياداً، وبالفعل كان صياداً ماهراً يتمتع بخبرة واسعة في أنواع الأسماك المختلفة وأساليب الصيد وفنونه وأحوال البحر، قال عن نفسه ذات مرة "ربما لم يكن خليقاً بي أن أكون صياداً ولكنني ولدت من أجل تلك المهنة".

تقافزت حول المركب الأسماك الطائرة والتي كان "سانتيجو" مغرماً بها ويعدها صديقاته الأثيرات وسط المحيط، لم يكن هناك أحدا ليحدثه خلال رحلته سوى نفسه وكان حلمه دائماً أن يمتلك راديو مثل أثرياء الصيادين ليتمكن من سماع نتائج فريق البيسبول.

جدف العجوز بثبات موغلاً في البحر قائلاً: إنني أحتفظ بمواقع ما ألقى به من طُعم للسمك بدقة، غير أن الحظ قد تخلى عني، ولكن من يعلم ؟ لعله يحالفني اليوم، فكل يوم هو يوم جديد، من الأفضل أن يكون الإنسان محظوظاً، ولكنني أوثر إذا عملت عملاً أن أتقنه، حينئذ إذا جاء الحظ يكون المرء متأهباً لاستقباله.

ظل العجوز يراقب البحر والكائنات البحرية التي تمر عليه، وحركة الطيور التي تدل كثرتها في مكان ما على تجمع الأسماك وتمثل عون كبير له، وأثناء ذلك ظفر بإحدى سمكات التونة فاحتفظ بها كطعام يمده بالقوة اللازمة.


السمكة الضخمة


اشتدت حرارة الشمس في السماء وبدأ العجوز يقطر عرقاً كان يأمل أن يحظى ببعض النوم ولكنه تذكر أن اليوم يكون قد مضى خمسة وثمانون يوماً ولابد له أن يظفر بصيد جيد، أثناء ذلك شعر بتوتر طفيف في الحبل بين يديه وعرف بحكم خبرته أن هناك على عمق ستمائة قدم سمكة "مرلين" ضخمة تلتهم السردين الذي يغطي طرف الخطاف، وبمهارة بدأ الصياد في مناورة السمكة برفق وتؤده حتى لا تنطلق هاربة فأرخى لها الحبل حتى تتناول الطعم، وبعد عدة جولات شعر فجأة بثقل كبير فأرخى الحبل الذي انساب لأسفل، وبدأت السمكة في السباحة بثبات موغلة في البحر قاطرة المركب معها.

ذخر "سانتياجو" كل ما لديه من طاقة من أجل الثبات والجلد والصبر .

لم يكن صيدها سهلاً إطلاقا فقد استغرقت أكثر من يومين وهي تسحب المركب، بينما الصياد العجوز يشد الحبل على ظهره ويتناوب بيديه وقدميه الإمساك به، مع تقطيعه لسمكة التونة لأكلها وإمداد جسمه بالقوة اللازمة للصمود.

ظل العجوز طوال رحلته في مياه المحيط يتذكر الصبي ويتمنى وجوده معه في كل لحظة ليعاونه، خاصة مع اشتداد ثقل الحبل على ظهره وتقلص يده اليسرى وكثرة الجروح التي عانى منها وشعوره بالدوار والضعف من آن لأخر واحتياجه للنوم، ولكن لم ينل كل هذا من عزيمته شيئاً.

كان الصياد مصراً على اصطياد السمكة رغم الإشفاق الذي شعر به نحوها، ونقرأ جزء من الرواية تتباين فيه مشاعر "سانتياجو" قائلاً: إن السمكة صديقتي أيضاً، لم أر أو أسمع قط بمثل تلك السمكة ولكن لابد لي من أن أقتلها.

ثم شعر بالأسى من أجلها فليس لديها ما تقتات به غير أن عزمه على قتلها لم يفتر قط برغم حزنه عليها، فهمس لنفسه: كم من الناس ستطعمهم تلك السمكة، ولكن هل هم جديرون بأكلها؟ كلا طبعاً، لا يوجد من هو أهل لتناول لحمها لما أبدته من سلوك رائع ووقار وسمو".

استمرت السمكة في سحبها للمركب واستمر الصياد العجوز في مناوراته معها، ثم سبح في أفكاره متذكراً انتصاره على الزنجي العظيم في لعبة اليد الحديدية في حانة "كاسا بلانكا" فأعطاه ذلك مزيد من القوة، وفي هذه الأثناء تمكن من اصطياد دلفين احتفظ به حتى يأكله ويمده بالطاقة اللازمة للصمود.


هجوم مفاجئ

حاول العجوز أن يغفو قليلاً بعد أن أمسك بالحبل بإحكام بيده اليمنى وألقى بثقل جسده كله فوقها ملتصقاً بخشب المركب وحرك الحبل المشدود على كتفه قليلاً وضغط عليه بيده اليسرى بكامل قوته، حتى إذا استرخى في نومه يظل قابضاً بقوة على الحبل ومتحكم في السمكة.

استغرق العجوز في النوم إلا أنه استيقظ فجأة على هجوم مباغت من السمكة التي أخذت تقفز من المحيط قفزات متوالية وسريعة، انحنى إلى الخلف وجذب الحبل بشدة فألهب ظهره وتحملت يده اليسرى العبء الناجم من الحبل المشدود وهو يحز بها حزاً مؤلماً دامياً، ومع قفزات السمكة انكفأ الصياد على وجهه، ثم مالبث أن نهض ثانية في عزم وتصميم على قهرها، وعندما هدأت قليلاً سبحت مع التيار بعد أن أصابها التعب.

الجولة الأخيرة

أشرقت الشمس للمرة الثالثة منذ نزول "سانتياجو" إلى البحر، وبدأت السمكة تحوم وبدأ هو في جذب الحبل برفق، واستمرت السمكة في دورانها وعندما بدأت في الاقتراب ، حاول حشد طاقات جسده كاملة .

ظل الصياد في مناوراته التي أنهكته معها وكاد أن يظفر بها إلا أنها مالبثت أن اعتدلت وراحت تسبح ببطء مبتعدة فحدثها قائلاً: إنك تقتليني أيتها السمكة ولكن ذلك من حقك، إنني لم أر قط سمكة أضخم ولا أجمل ولا أنبل منك أيتها الأخت، تقدمي واقتليني فلست أبالي بمن يقتل من.

اشتد التعب والإعياء بالصياد ولكن ظلت عزيمته متقدة وبدأت السمكة في جولتها الأخيرة تصعد وتسير بشكل دائري مرة أخرى حول المركب وبدأ هو في استرداد حبله تدريجياً وهو يجذبها إليه وفي اللحظة الحاسمة، امسك برمحه وسدد طعنة قوية لها فاخترق الرمح الحديدي جسدها بقوة، وقفزت قفزة هائلة ثم سقطت معلنة انتصار الصياد العجوز.

أحكم "سانتياجو" تثبيت السمكة الضخمة وربطها في المركب فأصبحت من ضخامتها تبدو وكأنها مركب أخر يسير بمحاذاة مركبه وأخذ يحلم بالأرباح التي سوف تدرها عليه حيث يزيد وزنها عن ألف وخمسمائة رطل.

هجوم مكثف

مهمة جديدة ألقيت على كاهل "سانتياجو" وهي حماية السمكة من أسماك القرش التي جذبتها رائحة الدم الطازج الذي نزفته السمكة بعد طعنها، وكانت البداية مع سمكة قرش ضخمة فاستل رمحه واحكم تثبيته في طرف حبله وانتظر اللحظة المناسبة عندما اقترب القرش من مؤخرة المركب وفتح فكيه وأطبقه على لحم السمكة بالقرب من الذيل فطعنه الصياد طعنة أودت بحياته.

فقدت السمكة حوالي أربعين رطل من وزنها وعلى الرغم من الأسى الذي شعر به الصياد إلا انه لم يفقد الأمل ولم ينال ذلك من عزيمته قائلاً: من السذاجة والحماقة أن يفقد المرء الأمل هذا بجانب أنني أعتقد أن اليأس خطيئة.

وكانت مع الوقت تتوالى هجمات القرش عليها ..


العودة

لاحت أضواء هافانا من بعيد وعلم الصياد العجوز أنه اقترب من موطنه، وأخيراً وصل للشاطئ لم يكن هناك من يساعده فجذب المركب للساحل وخلع الصاري وطوى الشراع عليه وحمله على كتفه وتحرك باتجاه المنزل، ثم توقف وتطلع للخلف فشاهد من خلال الأضواء المنعكسة ذيل السمكة الضخم في وضع رأسي خلف مؤخرة المركب ورأى عمودها الفقري ابيض عارياً وكتلة الرأس القاتمة بمنقارها البارز وكان كل ما بينهما مجرداً من اللحم.

استأنف سيره للمنزل إلا أنه اضطر للجلوس خمس مرات قبل أن يصل إليه ويشرب جرعة ماء ويتمدد على الفراش.

عندما حضر الصبي "مانولين" في صباح اليوم التالي إلى الكوخ ووجده نائماً أنخرط في البكاء حزناً عليه وانطلق ليحضر له القهوة، وقد رأى الصيادين متجمعين حول المركب وهيكل السمكة منبهرين وقد انهمك احدهم في قياسه، قائلاً أنها تبلغ ثمانية عشر قدم من الأنف للذيل، وقال آخر يا لها من سمكة لم ير قط أحد مثلها.

رجع مانولين مرة أخرى للصياد العجوز حاملاً معه قدح القهوة الساخنة وعندما استيقظ قال له أن السمكة لم تتمكن من هزيمته، وأنهم بحثوا عنه كثيراً مع خفر السواحل والطائرات ولكن لم يعثروا عليه.

شعر العجوز بالسعادة عندما وجد من يتحدث إليه بعد أن كان يحدث نفسه والبحر، وعبر عن افتقاده لمانولين الذي قال له أننا سنصطاد معاً مرة أخرى، وعندما حاول إثناؤه عن هذا لحظه السيئ قال له الصبي : لا يعنيني هذا سنخرج للصيد معاً من الآن فإنني بحاجة إلى تعلم الكثير، ثم ذهب لإحضار الطعام والدواء لسانتيجو الذي غط في نوم عميق، وعندما عاد الصبي جلس بجواره يراقبه وهو مؤمن بمكانته ومنزلته الرفيعة كصياد وبطل.


[/ALIGN][/CELL][/TABLE1][/ALIGN]
 

رحيق الزهور

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[ALIGN=CENTER][TABLE1="width:95%;background-color:silver;border:10px double black;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]



تعريف بالرواية :

وهي من أشهر روايات الكولومبي جابرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل في الآداب ، والذي أعلن خجله من حمل هذه الجائزة في الوقت الذي يحمله فيها مرتكبو المجازر في فلسطين ولبنان وصاحب البيان الشهير الذي يطالب المثقفين العرب بأخذ موقف قوي وموحد في نصرة القضية الفلسطينية ، وصاحب الرواية الأشهر "مائة عام من العزلة"

كان في ذهني وقبل أن أقرأ الرواية مواقف الرجل الجريئة و شخصيته المتميزة فهو نصير التحرر والحق و صاحب المبادئ التي تبدو غريبة أحيانا ومثيرة للدهشة مثل رفض تحويل رواياته لأفلام سينمائية حفاظا على حق القارئ في الخيال !! و هو متمسك بالحياة جدا لدرجة أنه يرفض الموت لأبطال رواياته وإن اضطر لقتل أحدهم فهو يصرخ ويبكيهم كما لو كانوا أصدقاء !! وبعد أن قرأتها تركز في ذهني كروائي وتركزت شخصياته في الذاكرة

والآن إلى الرواية محل القراءة : الحب في زمن الكوليرا


الرواية مليئة بالزخم والأحداث لأنها تروي قصة رجل وامرأة منذ المراهقة وحتى ما بعد بلوغهما السبعين ، وتصف ما تغير حولهما وما دار من حروب أهليه في منطقة الكاريبي و حتى تغيرات التكنولوجيا وتأثيراتها على نهر مجدلينا العظيم والبيئة الطبيعية في حوضه .

ولأن الرواية رواية "حب" كان اسمها حب ولأنها قصة حزينة في وسط حزين كان لا بد لماركيز أن يضيف "في زمن الكوليرا" والحاضرة كبطل رئيسي في الرواية كوحش منتشر في منطقة الكاريبي ذات الحر الخانق والفقر المدقع حاصدا البشر بشراسة لدرجة ترى فيها الجثث ملقاة في الشوارع ولا ينفذ منها حتى الأطباء أنفسهم ..

ولأن مفتاح الرواية عند ماركيز يتشكل من الكلمة الأولى فقد ربط بين اللوز المر والغراميات الكئيبة في طريق الطبيب أحد أبطال الرواية لمعاينة حالة انتحار لمهاجر نكتشف فيما بعد أنه قد يعتبر شخصا زائدا في الرواية وأنه مجرد حدث ثانوي .. كما يموت الطبيب في اليوم ذاته بحادث آخر ليبدأ ماركيز في قص أحداث الرواية عائدا بذاكرة الأبطال ما يزيد على نصف قرن ..

البطلان الرئيسيان هما فلورنتينو اريثا الذي يعشق فيرمينا اديثا وهي على مقاعد الدراسة وتبادله الحب عبر الرسائل فتطرد من المدرسة الدينية لأن المدرسة ضبطتها تكتب رسالة حب كما يرفض والدها التاجر هذا الحب لأنه يأمل لابنته بعريس من طبقة اجتماعية أعلى فيسافر بها بعيدا عن المنطقة ويغيب فترة يظنها كافية دون أن يدرك أن ابنته كانت على اتصال مع حبيبها طيلة الوقت بوساطة التلغراف وتعلقت به إلى أن اعتبرته خطيبا لها

والمفارقة المدهشة والتي ستكون بداية المأساة أنها وبعد ثلاثة سنوات من حبها له عبر الرسائل شبه اليومية لم تقترب منه بدرجة كافية كما في حصل ذات مرة في السوق وهي تشتري أغراض الخطوبة لتفاجأ بان حبها مجرد "وهم" وتذهل كيف أحبت ذلك "الطيف" المفتقر إلى الملامح المحددة فتنهي الأمر بقرار فردي

ثم تتزوج من طبيب جذاب خريج أوروبا يحظى بمباركة والدها نظرا لمكانته الاجتماعية وتعيش معه سعيدة طوال 52 عاما من عمرها ، تسافر فيها معه إلى أغلب أنحاء أوروبا وتتفنن في جمع كل ما هو غريب لتعرضه بعد عودتها على الأصدقاء والمعارف ، و تساهم وزوجها الطبيب في النشاطات الاجتماعية والثقافية في البلاد وتنتقل إلى طبقته بتفوق وتنجب منه وتنسى حبها الأول الذي لا ينساها للحظة ويعاهد نفسه على الزواج منها حتى لو أدى به الأمر أن ينتظر أو يتمنى وفاة زوجها !!

وبعد أن كان يرفض أن يعاشر غيرها رغم أنه يقضي وقته في فندق خاص بعمه بين عصافير الليل اللواتي يتكسبن عن طريق جسدهن دون أن يعيرهن اهتماما ، إلا أنه بعد زواجها وتعرضه لحادثة (اغتصاب) من قبل امرأة لم يتح له معرفتها ، يحاول أن يدفن نفسه في العلاقات الجنسية مع النساء بحثا عن الحب وكمحاولة للتعويض بطريقة الأخذ أكثر من العطاء ودون أن يذهب في أي علاقة إلى حد الالتزام لأنه يريد أن يظل حرا على أمل الاقتران بفيرمينا داثا

وفي الوقت ذاته يرتقي في عمله في شركة النقل النهري التي يملكها عمه بفضل اجتهاده وسعيه لمكانة ترضي حبيبته مع مساعدة المرأة الوحيدة التي عرفها كصديقة دون أن يضاجعها ، فيما بقية النساء كثيرات العدد يصورهن ماركيز بالشهوانيات غالبا غير المخلصات والميالات للخيانة بسهولة ، مركزا على الأرامل اللواتي يبدأن الحياة الحقة بعد وفاة أزواجهن !!

ورغم أنه كان يحب النساء اللواتي يعرفهن بطريقة ما ويحببنه إلا أنه كان يعتبر نفسه طوال الوقت زوجا لفرمينيا اديثا ويحافظ على سرية تلك العلاقات ويرفض أن تقاسمه أي منهن سريره في بيته والمعد فقط لها
ولم يكن يعذبه ضميره أو يحوله عن تصميمه شيئ حتى حين كان سببا في قتل إحداهن من قبل زوجها بسببه وحتى حين انتحر ت تلك الطفلة التي كان وصيا عليها وتصغره بستين عاما فيما كانت تشاركه سريره لأنه صدها بعد وفاة زوج فرمينا داثا أخيرا


زوج فرمينيا داثا كان طبيبا مثاليا ، يحب زوجته دون أن يخلو الأمر من نزوة تعرض لها وضحى بالمرأة التي كانت زنجية في سبيل زوجته ودون أن تخلو حياة طولها نصف قرن من بعض الرواسب والخلافات لتظل سعيدة بمعظمها وحتى موته .. لينكشف بعدها وعن طريق الصحف التي تترصد الطبقات العليا أنه كان على علاقة بصديقتها فتنقم عليه شاعرة بالإهانة حتى وهو متوفى ..

الأحداث كثيرة ويصعب عرضها كما يصعب إعطاء خط عام للشخصيات التي رسم ماركيز تفاصيلها بريشة متقنة ، دون إطالة ولكن الخط العام للرواية يروي إصرار فلورنتينو اريثا على الوصول لهدفه في الزواج من فرمينا داثا وإخلاصه لهذا الهدف رغم أننا في مرحلة ما نظن ذلك شبه مستحيل فهو يتعجل و يسارع لتقديم عهد الحب لفرمينا داثا في نفس يوم وفاة زوجها مما يجعلها تطرده بكيل من الشتائم ، ولكنه لا يفقد الأمل ويستمر في محاولة كسب صداقتها بطريقة عقلية هذه المرأة حيث لم تعد الرسائل العاطفية لها من تأثير مع امرأة في السبعين

يرسل لها رسائل عبارة عن تأملات في الحياة والزواج والشيخوخة تنال رضاها وتساعدها على تقبل الشيخوخة والموت بطريقة أفضل وتقبله شيئا فشيئا كصديق من عمرها تتبادل معه الأحاديث والتأملات فيما لا زال هو يرى فيها الحبيبة رغم تبدل مظهرها وذبولها وتجاوزهما العقد السابع ، ويتصادقان مع تشجيع ابنها الذي يفرح لأن أمه وجدت رفيقا من عمرها يتفاهم معها ومع نقمة ابنتها التي ترى الحب في هذه السن (قذارة) ، مما يؤدي بالأم لطردها من بيتها

أحداث الرواية الأخيرة تدور في سفينة نهرية حيث يدعو فلورنتينو اريثا حبيبته لرحلة نهرية على سفينة تمتلكها شركته فتوافق وهناك يقترب منها اكثر وتدرك بأنها تحبه رغم شعورها بأن عمرها لا يصلح للحب ولكن هذا ما كان يمنع فلورنتينو اريثا من الاستمرار بالأمل والسعي لراحتها فيتخلص من المسافرين الآخرين بخدعة أن السفينة عليها وباء الكوليرا لكي لا تنتهي الرحلة ويكون الفراق ويثبت أنها خدعة غير موفقة مع الحجر الصحي وتدخل السطات ..

وهنا تنتهي الرواية والسفينة تعبر النهر ذهابا وجيئة رافعة علم الوباء الأصفر دون أن ترسو إلا للتزود بوقود فيما تضم عش الحبيبين الذين لا يباليان بكبر عمرها ويقرران انهما الآن في مرحلة أفضل لوصول مرحلة ما وراء الحب وهي الحب لذات الحب


رأي عام :

لا يمكن القول إلا أنها رواية أكثر من رائعة ، قدمت لنا عبر قصة الحب الطويلة هذه الكثير من الواقع الأنساني بشكل ساحر فقد قرأنا الثقافة اللاتينية بكل زخمها من خلال الأبطال مع تحولات مرحلة التحرر والبناء والانتقال نحو المدنية وما عايشته أمريكا اللاتينية من أوبئة وحروب أهليه من خلال منظور إنساني يغوص في أعماق الشخصيات والتي وجدتها غنية جدا لدرجة أني ظننت أن بعضها زائد ..

ولم يمنع من تعاطفي المطلق مع البطل ذي التصميم الخارق سوى إقامته لعلاقة جنسية مع طفلة هو وصي عليها ، وإهماله لها حتى كوصي عندما وجد حبيبته تحررت من الزواج دافعا إياها نحو المجهول و دون أن يؤثر عليه كثيرا خبر انتحارها سوى بعض الوخز البسيط

لا أنكر هنا أني أحاسبه أخلاقيا وهذا ليس من حقي ولكن إنسان يحتفظ بحبه لأكثر من نصف قرن بكل هذا التصميم أفترض به أن يكون أكثر إنسانية مما ظهر منه ..

كما لا أنكر أن صورة المرأة في الرواية لم تعجبني فقد بدت لي تقليدية جدا عاشقة ولكن خائنة ولم تسلم حتى البطلة من هذا الوصف في تلميح ترك مفتوحا لخيال القارئ تمثل في انسحاب فرمينا داثا بغضب من أمام الكاهن عندما أراد منها أن تعترف إن كان لها علاقات خارج إطار الزوجية ..رغم أن الكاتب لم يشر إلى ذلك في أحداث الرواية

تناقل الكاتب بين الأزمان كان مبدعا وغنيا بالخيال فكثيرا ما بدأ من النهاية ثم أعادنا لزمن مضى أو انطلق من البداية أو المنتصف
وشخصياته متنوعة ويعطيها حقها لدرجة تظنها محور الرواية وتفاجأ لاحقا بأن الحضور كان زائدا أو بطريقة أخرى : أدت المطلوب منها على أكمل وجه وانتهى دورها وسلمت المسيرة لغيرها ..


ولا أدري إن كنتم مثلي ولكني أبدأ القراءة بتثاقل عادة وأجدها ممتعة أكثر مع تقدم الصفحات وهذا ما وجدته يزداد في كل صفحة طويتها عن سابقتها رغم أني لم أحب البداية لأني وجدت إطالة في فترة المراهقة دون داع إلا ما كان من بداية لقصة قهرت نصف قرن والكثير من المفاهيم التقليدية وقهرت حتى زمن الكوليرا

في النهاية فإن ماركيز يستمد قوته من الواقع بطريقة غرائبية مشوقة يظهر فيها كمن يمارس الهروب من الواقع ، واقعية من نوع آخر !!

ويتحدث الكاتب في لقاءاته ومقالاته من أن هذه القصص حقيقية فجزء كبير من الرواية حمل قصة حب أمه وأبيه وحتى الشخصيات الهامشية في الرواية لها أصل واقعي أعمل فيه ماركيز الخيال


[/ALIGN]
https://www.manartsouria.com/vb/./ext.php?ref=http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=3767
[/CELL][/TABLE1][/ALIGN]
https://www.manartsouria.com/vb/./ext.php?ref=http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=3767
https://www.manartsouria.com/vb/./ext.php?ref=http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=view&id=3767
 

رحيق الزهور

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[align=center][table1="width:95%;background-color:silver;border:10px double black;"][cell="filter:;"][align=center]

قلب في المنفى_لفرانشيسكو بترارك

حاولت الف مرة،يامحاربتي الحلوة

ان أصنع أتفاقية سلام مع مقلتيك الفاتنتين،

ولقد وهبتك فؤادي ،ولكنك لا تتنازلين

لتنظري إلى الأسفل من روحك الشاهقة.

لو أن سيدة اخرى أرادت فؤادي،

فلا بد من أنها تعيش في آمال هزيلة يجانبها السداد كثيرآ.

ولما كنت أكره كل مالا تأبهين به، ففي ظني أن فؤادي لن يكون لي مرة اخرى.

والآن، إذا ماقدمته ولم تأخذيه،

فلن ينال أي عون في منفاه التعس،

إذ لا يملك أن يعيش وحيدآ ،ولن يكون مع الأخرين.

ولهذا، فإن من المحتمل أن مسيرة حياته سوف تخفق،

وتلك غلطة نرتكبها كلانا،

وترتكبينها أنت أكثر،وذلك لأنه يحبك أكثر.



[/align]
[/cell][/table1][/align]
 

شموخ رجل

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[frame="6 98"]

إنها لأمر سهل.. قال صوني. كان بوسعه أن يحس بانتظارهما وبإمكانه أيضاً سماع الكلبين اللاهثين في الحديقة ينتظران خروجه ليشرعا بالنباح، أحس بالعجز، هل باستطاعته الرحيل الآن؟ وكيف يرحل وصدره يهتز بتأثير ضربات قلبه؟ لابد أن هناك سراً يسعد هذين المخلوقين على رغم عيشتهما البدائية، فلقد أدرك تلك السرعة التي تركته فيها المرأة واتجهت إلى صوني، وها هوالآن يرتجف برداً، وبدون وعي أدخل يديه في جيبيه ينشد الدفء.
ـ بالطبع سأدفع لك أجرك.
ـ نحن لا نأخذ نقوداً لأجل ذلك.
ـ لكن أريد أن أدفع.. وهل بإمكاني قضاء الليلة هنا؟ خطا نحوهما، لو رأياه لعرفا صدقه وحاجته، تابع يقول: أنا لست قوياً بعد، وليس بوسعي السير لمسافة بعيدة، حتى إلى سيارتي.. لا أعرف أين أنا الآن؟
" توقف يحاول مقاومة دموع بحاجة لأن تنفجر، ماذا سيظنون به، اقترب صوني منه ووضع يده على كتفيه فأحس بومان بنشوة :
ـ أنت لست موظف ضرائب متسلل إلى هنا؟
استجمع بومان ما تبقى من قواه ثم قال : " لا "
ـ باستطاعتك البقاء.
ـ صوني- قالت المرأة - عليك أن تستدين قليلاً من الحطب.
ـ سأستدين من السيد ريدموند..قال صوني.
ـ ماذا؟
سأل بومان وهو يحاول أن يسمع كلمات أشبه أن تكون همساً.
ـ انطفأت نارنا وعلى صوني أن يحضر شيئاً منها، فإنها ليلة مظلمة وباردة.
ـ لكن أعواد الثقاب.. معي أعواد ثقاب.
ـ لسنا بحاجة إلى الكبريت. قالت بزهو وعظمة.
ـ أنا ذاهب إلى السيد ريدموند.. قال صوني بجدية ثم مضى.
وبعد أن انتظروا قليلاً؛ نظر بومان من النافذة فرأى شعاعاً متحركاً على الهضبة، متوزعاً بشكل دائري كمروحة تتأرجح في الحقل يميناً ويساراً، دلف صوني إلى الغرفة واضعاً الحطب في الموقد وقد أحضر خلفه حطبة مشتعلة.
ـ سنشعل النار الآن، قالت المرأة. وما أن تأججت النار في الموقد حتى أشعلت القنديل، فتعثر الضوء من الجانب الذي لم ينظف، وأضحى لون الغرفة أصفر ذهبياً كلون الأزهار. اتجهت المرأة إلى الوعاء الحديدي ووضعت حطبة متوهجة على غطائه فأصدرت صوتاً كناقوس ناءٍ، نظرت إلى بومان فوجدته منكمشاً في كرسيه من البرد والخوف.
ـ هل تحب أن تشرب شيئاً يا سيد؟ سأل صوني وهو يحضر كرسياً ذا مسند ليجلس عليه.
ـ نعم يا سيدي ، ممتاز.. شكراً.
ـ تعال ورائي وافعل ما أفعل، اتجها من خلال بهو صغير إلى البيت، ثم عبرا بئراً متدفقاً ووصلا إلى أجمة كثيفة الأشجار.
ـ اجث على ركبتيك.. قال صوني.
ـ ماذا.. تساءل بومان والعرق يتفصد على جبهته، أدرك ما يعنيه صوني عندما شرع بالزحف عبر خندق غطته أغصان أشجار تمددت على الأرض. تبعه لكن لم يستطع أن يمنع نفسه من رعشة كانت تنتابه عندما تقترب منه عوسجة أو شوكة تلامسه بلطف دون أن تصدر صوتاً، تلتصق به كأنها تلثمه ثم تتركه، توقف صوني عن الزحف وجثا على ركبتيه، وبدأ ينبش الأوساخ المتكومة.
أشعل بومان عود ثقاب وأنار المكان، فظهر إبريق من الويسكي، سكب قليلاً منه في زجاجة كانت موضوعة في جيب سترته، وأعاد دفن الإبريق ثانية.
ـ أنت لا تعرف من هو المسؤول الذي يمكنه أن يطرق بابك؟ قال صوني ضاحكاً.. هيا بنا لنعد، فليس لنا حاجة إلى أن نشرب خارج البيت كالخنازير.
على الطاولة جلسا أمام بعضهما بعضاً وشرعا يعبان من زجاجة الويسكي، في ذلك الوقت، هدأ الكلبان واستسلما للنوم، أحدهما كان مستغرقاً في أحلام جميلة.
ـ إنه لشيء جيد.. قال بومان.. هذا ما كنت أريده.
أحس وكأنه يتجرع نار الموقد.
ـ لقد فعلها.. قالت المرأة بزهو بالغ، كانت تدفع الحطب إلى طرف القدر ورائحة خبز الذرة والقهوة تملأ أرجاء الغرفة، وضعت كل شيء على الطاولة قبل أن يأتي الرجلان، وبسكّينة كالساطور ضربت حبة من البطاطا فظهرت أحشاءها الصفراء الذهبية. بعد ذلك وقفت ترمقهما للحظات حيث كانا يجلسان، اتجهت نحوهما وقالت :
" بإمكانكما أن تتناولا الطعام الآن ".
وبشكل مفاجئ ابتسمت. بومان الذي كان لتوه ينظر إلى المرأة، وضع كوبه على الطاولة بطريقة تدل على رفضه وإنكاره، لابد أن ألما قد أصاب عينيه، فهذه المرأة ليست عجوزاً، إنها شابة وديعة، لم يخمن مقدار سنوات عمرها، لكنها بعمر صوني وتربطها به علاقة حميمة، وقفت في زاوية الغرفة الداكنة المظلمة، فتَسلط الضوء الشاحب فوق جسدها، عندما انحنت فوقهما وبدأت تتضح تلك العلاقة الأسرية التي تجمعهما، لقد كانت شابة ذات أسنان مشعة وعينين براقتين، استدارت وجرت خطواتها ببطء وثقل خارج الغرفة، سمعها تجلس على فراشها الصغير ومن ثم تتمدد :
ـ إنها على وشك أن تلد طفلاً. قال صوني عاضاً على شفتيه، لم يستطع بومان الكلام، كان مصدوماً بمعرفة حقيقة ما يدور في هذا المنـزل. زواج ! زواج مثمر. إن هذا الأمر لشيء عادي بوسع أي إنسان القيام به، أحس بعدم قدرته على أن يكون غاضباً أو مستاءً لما حدث بالرغم من هذا الهزل الذي أحسه، ليس ثمة شيء غامض أو مبهم، إنه شيء خاص وهذا كل ما في الأمر، السر الوحيد هو تلك العلاقة الوطيدة بين هذين الشخصين، ولكن مجرد تذكّره لانتظار المرأة بصمت قرب المدفأة الباردة، ورحلة الرجل القاسية لإحضار الحطب والتي استغرقت ميلاً، وكيفية تجهيز الطعام والشراب بزهو يملأ الغرفة، كل تلك الأمور كانت كافية لطرد شبح الدهشة من ذهنه.
ـ يبدو أنك جائع، قال صوني.
خرجت المرأة من غرفتها حالما عرفت أنهما انتهيا من تناول الطعام، تعشت وأخرجت ما تبقى من طعام إلى الكلاب، بينما كان زوجها يتأمل تلك النار المتأججة.
ـ أعتقد أنه من الأفضل لي أن أنام هنا على الأرض قرب المدفأة.. قال بومان.
شعر لبرهة أنه قد خدع نفسه بطلب كهذا، لكن عليه أن يكون أكثر شهامة ونبلاً، فبالرغم من مرضه، فإنه لم يطلب منهما النوم في سريرهما، لقد ناشد هذا البيت طلبا لمعروف والآن اتضح له أسراره.
ـ بالتأكيد يا سيد، قال صوني.
لم يكن واضحاً لديه كم كان استيعابه لذلك الأمر بطيئاً، ليس لديهما رغبة للتخلي له عن السرير، وبعد فترة وجيزة نهضا ونظرا إليه برزانة واتجها إلى الغرفة الأخرى، ظل متمدداً قرب النار حتى بدأت أشعتها تتلاشى وتموت، تأمل ألسنة لهيب النار وهي تتآكل وتخمد.
ـ سيكون هناك رخصة أسعار خاصة على كل الأحذية خلال شهر يناير، وجد نفسه يردد العبارة بهدوء ومن ثم استسلم للنوم بشفتين مطبقتين.
يا لها من ليلة صاخبة، لقد سمع عاصفة هوجاء وناراً تموت، وكان متأكداً من سماع نبضات قلبه تخفق بعنف، ذلك الصوت المنبعث من ضلوعه، تسلل إلى سمعه أنفاس الرجل وزوجته من الغرفة المجاورة، أنفاس عميقة وروتينية، وتولد في نفسه أمنية أن يكون الطفل الذي تحبل به المرأة ابنه.
عليه العودة من حيث أتى، وقف أمام تلك الخشبات الحمراء ذات الوهج المنهك وارتدى معطفه، أحس بثقل على كتفيه، وبينما كان خارجاً رأى القنديل نصف المنظف على الطاولة، أراد أن يفرغ كل ما في جيبه من نقود ويتركها لهما. تناول حقائبه ومضى، وما أن أطل برأسه خارجاً حتى أحس بعاصفة الرياح القارصة تدفعه محاولة حمله بعيداً، كان القمر ما يزال يرسل بأشعته الواهنة، وأخذ الطريق المنحدر يشده إلى الأسفل، وما إن وصل إلى سيارته حتى عاد قلبه يدق بداخله كطلقات بندقية..بم..بم. ترنح قليلا ثم هوى غائصاً في الطريق مع حقائبه. أحس أن كل هذا، شيء معتاد، وضع يديه على قلبه وكأنه يمنع تسرب الضجيج منه.
ولكن لم يكن ليسمعه أحد.

نهاية القصة ..

[/frame]
 

شموخ رجل

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[frame="3 98"]

قصة حب قادت اعظم الشعراء والفلاسفة الى الجنون

كانَ جريمةَ قتل ، فراقُنا ...

يحكى أنّ ميشيل فوكو عندما قدّم أطروحته الضخمة عن "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" إلى أستاذه المشرف جورج كانغيلم قال له، وهو يتلعثم، يرتجف، كأنّه يعتذر: إنّي أبيع هذه الأطروحة ببيتين من شعر هولدرلين! فردّ عليه الأستاذ المشرف وقد ارتسم على وجهه شبح ابتسامة خفيفة: ولكنّك شاعر يا صديقي، ولكنّك شاعر… وبالفعل فإنّ كتاب "تاريخ الجنون" مُخْتَرق بالشحنات الشعرية من أوّله إلى آخره. إنّه كتاب ذو نَفَس شعريّ، قويّ، وثّاب، كتاب جنونيّ إذا صحّ التعبير شكلا ومضمونا. أقصد أنّه كتاب عبقريّ. في ضربة واحدة استطاع ميشيل فوكو أن يجمع بين عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنّه بالتأكيد أجمل كتاب عن تاريخ الجنون في اللغة الفرنسية وربّما في كلّ اللغات. إنّه كتاب يحلّق عالياً، أو ينخفض أحياناً إلى أسفل سافلين لكي يعانق الأعماق الخفيّة والدهاليز السرّية للروح البشرية. فميشيل فوكو، الذي عاش اللحظات الحدّية شخصيا بل وأشرف على حافّة الهاوية، كان مؤهلا أكثر من غيره لأن يعرف قيمة هولدرلين وما الذي يمثّله في تاريخ الشعر الأوروبيّ. فمن هو هولدرلين هذا؟ وكيف أمضى نصف عمره في الصحو، والنصف الآخر في غياهب الجنون؟ وكيف يمكن لشخص جنّ في عزّ الشباب وبقي مجنوناً طيلة خمسة وثلاثين عاماً، أي حتى مات، أن يصبح أكبر شاعر في تاريخ ألمانيا كلّها؟ أقول ذلك مع الاعتذار لغوته وريلكه وبعض الآخرين..
____________________ ____________________ _____

ولد هولدرلين عام 1770 في منطقة ساحرة من مناطق ألمانيا تقع على نهر "نيكار": هناك حيث السماء دائماً صاحية وروحية في فصل الربيع أو الصيف، وحيث الينابيع تجري متسلّلة بين السفوح المغطّاة بالغابات، وحيث مزارع الكرمة والعنب تنتشر على مدّ النظر.. وسوف يكون لهذه الطبيعة الخلابة تأثير واضح على شعره فيما بعد. هناك أيضا حيث معظم الناس إمّا مزارعون وإمّا كهنة ورجال دين، وإما شعراء، وإمّا جميع ذلك دفعة واحدة! فأبوه كان مسؤولاً عن إدارة الأوقاف الدينية، وأمّه كانت ابنة رجل دين. وهو كان موجَّهاً منذ صغره لكي يصبح رجل دين يصلّي بالفلاحين في منطقته ويرشدهم إلى الطريق المستقيم. ولكنّ القدر شاء له مصيراً آخر، أو قل إنّه لم يقبل في أيّ يوم أن يصبح رجل دين. كان يريد أن يكون شاعراً، وشاعراً فقط. لقد أراد أن يكرّس حياته لشيء واحد هو: تحويل العالم إلى شعر، أن يسكن العالم شعريا. هل هو كلاسيكيّ؟ هل هو رومانطيقي؟ لا معنى لهذه التسميات بالنسبة لهولدرلين. إنّها ضيقة عليه. إنّه شاعر وكفى. شاعر يعلو على كلّ التسميات. وربما لم يعرف تاريخ الغرب شاعراً في حجمه ومستواه. ولكن رغم ذلك فإنّ عائلته أجبرته على إكمال دراساته اللاهوتية في جامعة توبنجين الشهيرة. هناك حيث التقى بزميلين سيكون لهما كبير الشأن فيما بعد هما: هيغل وشيلينغ. وهكذا اجتمع في غرفة واحدة ثلاثة شباب سوف يصبحون لاحقا عباقرة ألمانيا شعرا وفكرا. وسوف يدشّنون أكبر حركة روحية- فلسفية في تاريخ أوروبا: الفلسفة المثالية الألمانية. وبقي في هذه الكلية خمس سنوات من عام 1788 إلى عام 1793. كان هولدرلين، بحسب شهادة بعض زملائه الذين عرفوه في الجامعة، شابّاً جميلاً جداً. كان إذا مرَّ في أيّ مكان يلفت الانتباه وإذا دخل الغرفة يضيئها… وكان لطيفاً وحساساً إلى أبعد الحدود. ولكن لم يكن أحد يعرف أنه سيجنّ بعد أقل من عشر سنوات من ذلك التاريخ. كانت الموسيقى تسكن روحه. وكان يعزف على الناي، والعود، ثمّ البيانو فيما بعد. ومنذ البداية راح الهمّ الشعريّ يطغى عليه مثلما راح الهمّ الفلسفي يطغى على زميله هيغل. وهكذا راح ينظم أناشيده من أجل الصداقة، أو الجمال، أو الحبّ. ثم من أجل الطبيعة الساحرة، والقدر، والوطن. وأخيراً من أجل الإنسانية، ولكن قبل كلّ شيء من أجل الحرية. وقرّر أن يكرّس نفسه لقضية الشعر المقدّسة. واعتبر أنّ أيّ اهتمام آخر يلهيه عن قضية الشعر هو بمثابة الخيانة. يذكَّرنا هولدرلين في مجال الشعر، بموزار في مجال الموسيقى، موزار الذي سبقه إلى الوجود بأربعة عشر عاماً فقط والذي كان قريبه ربّما. فهناك صفاء مطلق في كلتا الحالتين ووفاء مطلق لقضية الشعر أو الموسيقى: أي لقضية الفنّ والنزعة الإنسانية العميقة.
عندما ترك هولدرلين الجامعة كان عمره ثلاثة وعشرين عاماً. وكان قد أصبح شاعراً معروفاً وربما معترفاً به. ولكنّ الشعر لا يطعم خبزاً. وهولدرلين لا يريد أن يصبح كاهناً أو رجل دين. فما العمل؟ لقد ساعده شيلر الذي كان شاعراً مشهوراً آنذاك واستقبله في مجلّته حيث نشر له مقاطع من روايته الشعرية "هيبيريون" التي ستصبح إحدى روائع الأدب الألماني والعالمي. ثمّ عثر له على وظيفة مربّي أطفال في إحدى العائلات الغنيّة. ولكنّ هولدرلين كان يمرّ بحالات مختلفة: فأحياناً يهدأ ويتوازن، وأحياناً تستفزّ أعصابه ويدخل في نوع من الاكتئاب النفسيّ العميق الذي لا تفسير له. ولذا ترك وظيفته فجأة وسافر إلى مدينة "يينا" لكي يحضر دروس الفيلسوف "فيخته" في جامعتها الشهيرة. كان فيخته آنذاك هو فيلسوف ألمانيا بعد رحيل كانط. كان يلهب الشبيبة الألمانية بفكره القويّ وخطاباته القومية الجرمانية التي تجلجل أصداؤها في شتى أرجاء الجامعة وما وراء الجامعة. ولكن سرعان ما عاد الاكتئاب النفسيّ لكي يخيّم على روح هولدرلين من جديد فترك فيخته وفلسفته وذهب لكي يلتجئ عند أمّه في قريته بالقرب من نهر "نيكار". وقد لعبت أمّه دوراً كبيراً في حياته لأنّ أباه مات وهو صغير. ويبدو أنّها كانت قويّة، وصبورة على المصائب والمحن. ولكنّ أمّه كانت متقشّفة وقاسية معه لأنّه لا يستطيع أن يجد وظيفة بمرتّب ثابت ويتزوّج ويبني عائلة مثل كلّ الناس ويعيش.. ولكن المشكلة أنّه لم يكن مثل كلّ الناس ولا يستطيع أن يكون. لم تكن تفهم أنّ للشاعر وضعه الخاصّ وجنونه الخاصّ.. كانت تريد لابنها أن "ينجح" في الحياة كبقية الأمهات، وهذا شيء مفهوم، ولكن ابنها كان عاجزاً عن النجاح في الحياة… بعد أن استعاد شيئاً من توازنه وجد له بعض الأصدقاء وظيفة مربّي أطفال لدى عائلة كبيرة من عائلات مدينة فرانكفورت. وهناك سوف تحصل أكبر قصّة في حياته. فقد وقع في حبّ سيّدة البيت: سوزان غونتار. ويبدو أنّها كانت رائعة الجمال. وكان حبّاً جارفاً، عنيفاً، لا يعرف الحدود. ولكنّه كان حبّاً عذرياً أيضا لا أثر للماديات فيه. ويذكّرنا هولدرلين هنا بشعرائنا العذريين من أمثال مجنون ليلى، أو جميل بثينة، أو كثيّر عزّة، الخ… فعنده نفس الصفاء، ونفس العذاب، ونفس الانغماس في الحبّ إلى درجة الوله. فالمحبوبة لم تعد مطلوبة جسدياً، وإنّما أصبحت مقدّسة لا تمسّ. يكفي أن نحبّها من بعيد..لقد أصبحت الشغل الشاغل الذي يملأ على الشاعر أقطار نفسه. وقد قال عنها هذه العبارة: "حسّي الفنّي لن يضلّ الطريق بعد اليوم. سوف يظلّ يحوم حول هذه الرأس الفاتنة. إنّها إغريقية الجمال!". ولكنّ الزوج المغفّل سرعان ما شعر بالأمر فانتفض وثار، وزمجر ودمدم. والجيران تدخّلوا وشمتوا، والعذّال حسدوا وغاروا. وكانت النميمة والوشايات وكلّ ما يحصل عادة مع قصص الحبّ الكبرى. واضطرّ هولدرلين إلى مغادرة البيت بطريقة مذلّة شبه مهينة بعد أن انكشفت قصّته. بعدئذ استطاع أن يراها بضع مرات فقط عندما كان يمرّ تحت نافذة بيتها في ساعة محدّدة تماماً سواء عرفت أم لم تعرف. أو قد يحصل ذلك عندما كانت تتجرّأ على أن تحدّد له موعداً حيث يراها عن مسافة دون أن يكلّمها…كان يكفيه أن يشعر بحضورها، أن يراها ولو من بعيد. كانت الدنيا تشتعل بوجودها، ويتوقّف الزمن. وكتبت له سوزان غونتار بعضاً من أجمل رسائل الحبّ في تاريخ الأدب الألماني وتفجّعت عليه بشكل يكسر القلب. وحفظ لنا التاريخ رسائلها، ولكنّ معظم رسائله هو إليها ضاعت فلم تصلنا. ولو اتّسع لي المكان هنا لترجمت بعضاً من رسائلها، ولكنه لا يتّسع.
بعد هذه الحادثة التي حطّمت هولدرلين عاطفياً شعر بآلام نفسية مبرحة فلجأ إلى أحد أصدقائه الخلّص واسمه إسحاق فون سانكلير. فاحتضنه وأسكنه في بيته وواساه. وأحسّ هولدرلين عندئذ بأنّه يمتلك كلّ طاقاته الشعرية. فكتب أجمل قصائده والقلب ينزف وذكرى سوزان غونتار تشعل عبقريته كالنار. ثم كتب روايته الشهيرة "هيبيريون" وأعطى لسوزان فيها اسماً مستعاراً هو: ديوتيما. فهو مضطرّ للمحافظة على سمعتها لأنّها متزوجة وأمّ أولاد.. ولمّا شعر بأنّه فشل على كلا المستويين العامّ والخاصّ راح ينعكف على نفسه ويعتزل في وحدة كثيفة مناسبة لكتابة الشعر. وصبَّ على الورق كلّ ما يعتمل في صدره. وصفّى حساباته مع نفسه ومع القدر. والكتابة في نهاية المطاف ما هي إلا تصفية حسابات.
ولكنه قبل بعدئذ أن يمارس وظيفة تعليم الأطفال مرّتين. المرّة الأولى في سويسرا، والمرّة الثانية والأخيرة في بوردو بفرنسا. وفجأة يترك بوردو بعد أن سمع بموت سوزان غونتار ويعود إلى ألمانيا سيراً على الأقدام. تخيّلوا المسافة! شيء جنونيّ. وعندما وصل وتأكّد من الخبر شعر وكأنّه مسؤول عن موتها لأنّ فراقه هدّها. وعندئذ ابتدأت أمارات الجنون تظهر على وجهه. ابتدأ يظهر ذلك التناقض الحادّ والقاتل الذي لا يستطيع تصريف نفسه بشكل طبيعي فيلقي بالإنسان في حالة هذيانية أو هستيرية شديدة الخطورة. وهكذا انتهت تلك القصة: هو قتلها، وهي جنَّنته. برافو! هكذا تكون قصص الحب، أو فلا..
فبعد أن شعرت بأنّه سافر إلى فرنسا ظنّت أنه قد لا يعود أبداً. ولم تستطع أن تتحمّل ذلك. في تلك الأيام كانت فرنسا آخر الدنيا.. لم تكن هناك ثورة معلوماتية ولا هاتف نقّال ولا انترنيت..كان يكفيها منه أن تراه من بعيد أو حتى أن تعرف أنّه موجود في مكان ما بألمانيا داخل الوطن. أمّا أن يسافر إلى الخارج والبلاد الأجنبية فذلك يعني أنّه قد مات.. وأثّر ذلك على معنوياتها كثيرا. وساهم في تدهور صحتها وعجل بموتها وهي في عزّ الشباب: الثلاثين آو أكثر قليلا.. والواقع أنّ السؤال يطرح نفسه هنا: كيف يمكن أن توفّق بين زوج "تافه" رئيس بنك يلعب بالفلوس لعبا، وبين حبيب شاعر نصف مجنون؟ عقلها في جهة وقلبها في الجهة الأخرى. هنا أيضا يوجد تناقض يصعب حلّه. فجاء الموت كعلاج أو كحلّ أخير. وفي بعض الحالات يكون الموت هو الحلّ الوحيد. وما أعذب الموت في بعض الحالات. صحيح أنّها لم تخن زوجها جسديا ولكنّها خانته روحيا وعاطفيا وهي أخطر أنواع الخيانة. الخيانة ليس أن تنام مع امرأة أخرى غير زوجتك. الخيانة هي أن تحبّ امرأة أخرى غير زوجتك، أن تعشقها، أن تهيم بها. فيوميا كانت ترى هولدرلين وهو يربّي أطفالها ويعلّمهم. يوميا كانت تغازله ويغازلها لأنه ينام في نفس البيت! وذلك بحسب العادات الألمانية السائدة آنذاك بالنسبة لمربّي أطفال العائلات الغنيّة. كانت له غرفة خاصة في مكان ما. هذا في حين الزوج المخدوع كان طيلة النهار في الخارج يشرف على إدارة البنك..
وكتب لها عندئذ قصائد تفجّع قلّ نظيرها في تاريخ الشعر الأوروبي. وهكذا انطفأ هولدرلين نفسياً، ولكنه ظل حياًّ جسدياً مدّة خمسة وثلاثين عاماً أخرى. سوزان غونتار ماتت عام 1802 أمّا هو فلم يمت إلا بعد عمر طويل عام 1843. ولكن كم من الشرشحة والبهدلة أثناء كلّ تلك السنوات الجنونية! يا ليته مات فورا، لكان أفضل. وحتى في الفترة الأولى من جنونه كان لا يزال قادراً على كتابة بعض الأبيات الجميلة والمؤثّرة فعلا. انظر "قصائد الجنون لهولدرلين" التي ترجمها إلى الفرنسية وجمعها لدى غاليمار الشاعر بيير جان جوف عام1963. ثم أصبحت الكتابة مجرّد خربشات على الورق، خربشات متفكّكة تشبه الألغاز والأحاجي التي تستعصي على كلّ قراءة. هكذا راح هولدرلين يقذف على الورق بآخر ما عنده قبل أن ينهار عقله كلياً ويغطس رويداً، رويداً، في بحر الجنون.
الشيء الذي يؤخذ على هيغل هو أنّه لم يقل كلمة واحدة عن هولدرلين بعد أن سمع بجنونه. نقول ذلك رغم الصداقة الحميمة التي كانت تربط بينهما لسنوات عديدة. فهل كان فيلسوف العقل الجبار عاجزا عن فهم الجنون الجبار أيضا؟ ألم يستطع هيغل أن يستوعب في فلسفته الجدلية كل تناقضات العالم؟ فلماذا لم يستطع إذن أن يستوعب تلك الغَيريّة المرعبة: جنون هولدرلين؟
كان ينبغي أن ننتظر ظهور فيلسوف آخر، هو ميشيل فوكو، لكي يصبح الجنون موضوعا محترما يستحق أن يهتمّ به الفكر الفلسفي ويوليه العناية القصوى. أليس الجنون هو السفح الآخر للعقل؟ ألا يحيط به من كلّ الجهات مثلما يحيط المرض بالصحة من كلّ الجهات كما يقول ذلك المجنون العبقري الكبير الآخر لودفيغ فتغنشتاين؟ أيّا يكن من أمر فإنّ جنون هولدرلين مثل جنون نيتشه أو جيرار دو نيرفال أو فيرجينيا وولف أو انطونين آرتو أو غويا أو فان غوخ أو عشرات المبدعين الآخرين يطرح مشكلة كبرى ومحيّرة. وكنت قد ناقشتها مطوّلا في نصّ بعنوان: بين العبقرية والجنون. وهو منتشر على الانترنيت في مواقع عديدة. ويا ليته لم ينشر ولم ينتشر لأنّه مليء بالأخطاء المطبعية، ولذلك فلا أنصح أحدا بقراءته إلا على موقع واحد هو: جماليا.
إنّ انهيار عقول هؤلاء العباقرة يثبت صحّة كلمة ميشيل فوكو في أطروحته الشهيرة المذكورة في بداية هذا الحديث، والتي يقول فيها إنّ الجنون ليس أن تكون متأزّماً نفسياً أو متوتّراً إلى أقصى الحدود. هذه ليست حالة جنونية وإنّما إبداعية. أو قل إنّها جنونية وإبداعية في ذات الوقت. الجنون هو ألا تكون قادراً بعد الآن على إنجاز أيّ عمل كتابيّ بشكل منتظم ومتماسك. الجنون هو الهذيان الكامل أو الصمت المطبق. الجنون هو نهاية العمل الإبداعي أو انقطاعه فجأة أو انعدامه كليا. بدءا من اللحظة التي انهار فيها عقل نيتشه صبيحة ذلك اليوم المشهود 3 يناير1889 وراح يصرخ بأعلى صوته: أنا المسيح، أنا ديونيسوس، أنا يوليوس قيصر..انتهى كلّ شيء. هذا هو الجنون. عندما يصل كاتب ما إلى مرحلة العجز الكامل عن مواصلة الكتابة، إلى استحالة ممارسة الكتابة المتماسكة، عندما يصبح كلامه مجرّد هذيانات متفكّكة أو خربشات على الورق كيفما اتّفق، فإنّه يصبح عندئذ مجنوناً بالفعل. عندئذ ينتصر الجنون على الإبداع لديه ويقتله كليا بعد أن كان وقوده الأساسي طيلة سنوات وسنوات.
لكنّ جنون هولدرلين سواء أكان ناتجا عن الموت المبكّر لسوزان غونتار أم لا، يثبت صحّة النظرية التي تقول إنّ المثال الأعلى، المثال الرائع، لا يمكن أن يتحقّق على هذه الأرض. أو قل إذا ما تحقّق لا يمكن أن يعيش طويلا. إنّه أجمل من أن يعيش. كلّ ما هو جميل جدّا، أو أكثر من اللزوم، ممنوع. كلّ ما هو أثيريّ، لازورديّ، شفّاف، محال أو مستحيل. ينبغي أن يظلّ كأفق ومثال أعلى فقط. لا ينبغي أن يتلوّث بالواقع الأرضيّ. هولدرلين كان نقيّا أكثر ممّا ينبغي، كان صافيا لا يستطيع المساومة، وبالتالي فلم يكن أمامه إلا حلان لا ثالث لهما: إمّا الجنون وإما الانتحار. لهذا السبب احترق في عزّ الشباب. لنستمع إليه وهو يتفجّع على المرأة الوحيدة التي أحبّها في حياته، على سوزان غونتار الملقّبة هنا بديوتيما:

ديوتيما
ديوتيما، آه طوبى لك أيتها السعيدة!
يا روح سماوية، عن طريقها قلبي
عولج من قلق الحياة
وراح يعد نفسه بالشباب الأبديّ للآلهة!
سوف تدوم سماؤنا يا ديوتيما!
مرتبطتان بأعماقهما السحيقة،
روحي وروحك،
حتى قبل أن نلتقي
كنا قد التقينا..

[/frame]
 

شموخ رجل

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[frame="6 98"]

دائما ما نردد كلمة صبر أيوب
فهل تعرف على ماذا صبر نبي الله أيوب ؟؟
أيوب عليه السلام ..
نبى من أنبياء الله العظام الذين جاء ذكرهم فى القرآن الكريم .. يعرفه العام والخاص ، فحين يضربون مثلا للصبر يقولون " صبر أيوب "
فيا تُرى ما قصةُ أيوب عليه السلام ..
أيوب عليه السلام من ذرية يوسف عليه السلام ، تزوج سيدة عفيفة.
وأيوب عليه السلام وزوجته الكريمة يعيشان فى منطقة " حوران "
وقد أنعم الله على أيوب عليه السلام بنعم كثيرة فرزقه بنينًا وبنات، ورزقه أراضى كثيرة يزرعها فيخرج منها أطيب الثمار .... كما رزقه قطعان الماشية بأنواعها المختلفة .. آلاف من رءوس الأبقار ، آلاف رءوس من الأغنام ، آلاف من رءوس الماعز وأخرى من الجمال
وفوق ذلك كله أعلى الله مكانته واختاره للنبوة .
وكان أيوب عليه السلام ملاذًا وملجئًا للناس جميعًا وبيته قبلة للفقراء لما علموا عنه أنه يجود بما لديه ولا يمنعهم من ماله شيئًا .
و لا يطيق أن يرى فقيرًا بائسًا، و بلغ من كرمه عليه السلام أنه لم يتناول طعامًا حتى يكون لديه ضيفًا فقيرًا .
هكذا عاش أيوب عليه السلام ..
يتفقد العمل في الحقول والمزارع ، ويباشر على الغلمان والعبيد والعمال ، وزوجته تطحن وبناته يشاركن الأم ..
وأبناء أيوب عليه السلام يحملون الطعام ويبحثون عن الفقراء والمحتاجين من أهل القرية ، والخدم والعمال يعملون في المزارع والأراضى والحقول .
و أيوب عليه السلام يشكر الله .. ويدعو الناس إلى كل خير وينهاهم عن كل شر .
أحب الناسُ أيوب عليه السلام .. لأنه مؤمن بالله يشكر الله على نعمه .. ويساعد الناس جميعاً .. ولم يتكبر بما لديه ، من مزارع وحقول وماشية وأولاد ..
كان يمكنه أن يعيش في راحة ، ولكنه كان يعمل بيده ، وزوجته هي الأخرى كانت تعمل فى بيتها ....
(2)
راح الشيطان يوسوس للناس يقول لهم: إن أيوب يعبد الله لأنه أعطاه هذا الخير العميم والفضل الكثير من البنين والبنات والأموال من قطعان الماشية والأراضى الخصبة .. فأيوب يعبد الله لذلك وخوفا على أمواله . ولو كان فقيرًا ما عبد الله ولا سجد له ...
ووجد الشيطان من يسمع له ويصغى لما يقول من وساوس .. فتغيرّت نظرتهم إلى أيوب عليه السلام وأصبحوا يقولون :
" إن أيوب لو تعرض لأدنى مصيبة لترك ما هو فيه من الطاعة والإنفاق فى سبيل الله .. ألا ترون كثرة أولاده وكثرة أمواله وكثرة أراضيه المثمرة ، فلو نزع الله منه هذه الأشياء لترك عبادة الله بل سينسى الله ..
ورويدًا رويدًا ..
تحول أهل حوران إلى ناقمين على أيوب عليه السلام بعدما كانوا يحبونه حبا جما .. وأصبحوا يرون أيوب عليه السلام من بعيد فيتحدثون عنه بصورة مؤذية .
(3)
بدأت المحنة والابتلاء من الله تعالى . .
فبينما كان كل شيء يمضي هادئاً . . فأيوب عليه السلام حامدًا شاكرًا ساجدًا لله تعالى على نعمه الكثيرة .. وأولاده ينعمون ويشكرون الله .. والعمال والعبيد يعملون في الأراضي والمزارع ..
زوجة أيوب عليه السلام كانت تطحن في الرحى . .
وبينما الجميع فى عافية من أمره مغتبطًا مسرورًا ، إذ وقعت الابتلاءات والمحن ..
فجاء أحد العمال يجرى ويصيح :
ـ يا سيدى .. يا نبى الله ؟!!
ـ ماذا حصل ؟! تكلم .
ـ لقد قتلوهم . . قتلوا جميع رفاقي . . الرعاة والفلاحين . . جميعهم قتلوا جرت دماؤهم فوق الأرض . . .
ـ كيف حدث ذلك ؟!
ـ هاجمنا اللصوص . . وقتلوا من قتلوا وأخذوا ما معنا من ماشية .
أيوب عليه السلام أخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون . . .
إن الله سبحانه شاء أن يمتحن أيوب .. وأراد أن يبين للناس أن أيوب عليه السلام رجلاً صابرًا محتسبًا ولا يعبده لأنه فى غنى وعافية.
في اليوم التالي نزلت الصواعق من السماء على أحد الحقول التابعة لما يملكه أيوب عليه السلام .. وجاء أحد الفلاحين .. كانت ثيابه محترقة وحاله يُرثى له .
هتف أيوب عليه السلام :
ـ ماذا حصل ؟!
ـ النار ! يا نبي الله النار !!
ـ ماذا حدث ؟
ـ احترق كل شيء . . لقد نزل البلاء . . الصواعق أحرقت الحقول والمزارع . . أصبحت أرضنا رمادًا يا نبي الله . . كل رفاقي ماتوا احترقوا .
قالت زوجة أيوب عليه السلام :
ـ ما هذه المصائب المتتالية ؟!
ـ اصبري يا امرأة . هذه مشيئة الله .
ـ مشيئة الله !!
أجل .. لقد حان وقت الامتحان .. ما من نبي إلاّ وامتحن الله قلبه.
نظر أيوب عليه السلام إلى السماء وقال بضراعة :
ـ الهي امنحني الصبر ...
في ذلك اليوم أمر أيوب عليه السلام الخدم والعبيد بمغادرة منزله .. والرجوع إلى أهاليهم والبحث عن عمل آخر .
وفى اليوم التالى .. حدثت مصيبة تتكسر أمامها قلوب الرجال ..
لقد مات جميع أولاده البنين والبنات ، حيث اجتمعوا فى دار لهم لتناول الطعام فسقطت عليهم الدار فماتوا جميعا .
وازدادت محنة أيوب عليه السلام أكثر وأكثر ..
فلقد اُبتلى فى صحته ....
وانتشرت الدمامل فى جسمه ..
وتحول من الرجل الحسن الصورة والهيئة إلى رجل يفر منه الجميع .
ولم يبق معه سوى زوجته الطيّبة ..
أصبح منزله خالياً لا مال له ، لا ولد ، ولا صحة ..
عَلَّمَ أيوبُ عليه السلام زوجته أن هذه مشيئة الله ، وعلينا أن نسلّم لأمره ...
حاول الشيطان اللعين أن ينال من قلب أيوب عليه السلام ، فأخذ يوسوس إليه من كل جانب قائلا : ماذا فعلت يا أيوب حتى يموت أولادك وتصاب فى أموالك ، ثم تصاب فى صحتك .
فاستعاذ أيوب عليه السلام بالله من الشيطان الرجيم .. وتفل على الشيطان الرجيم ففر من أمامه . وكذلك فعلت زوجته وطردت وساوس الشيطان .
وكان أيوب عليه السلام لا يزداد مع زيادة البلاء إلا صبرًا وطمأنينة .
(4)
ويأس الشيطان من أيوب وزوجته الصابرين المحتسبين .
فاتجه إلى أهل حوران ينفث فيهم الوساوس حتى جعلهم يعتقدون أن أيوب عليه السلام أذنب ذنباً كبيراً فحلّت به اللعنة ..
ونسج الناسُ الحكايات والقصص حول أيوب عليه السلام .. وتطور الأمرُ أكثر حتى ظنوا أن في بقائه خطرًا عليهم .
وعقدوا العزم أن يخرجوا أيوبَ من أرضهم ..
وجاءوا إلى منزله .. لم يكن في منزله أحد سوى زوجته قائلين :
نحن نظنّ أن اللعنة قد حلّت بك ونخاف أن تعمّ القرية كلها .. فاخرج من قريتنا واذهب بعيداً عنا نحن لا نريدك أن تبقى بيننا .
غضبت زوجته من هذا الكلام قالت : نحن نعيش في منزلنا ولا يحق لكم أن تؤذوا نبي الله فى بيته وفى عقر داره ..
فردُّوا عليها بوقاحة : إذا لم تخرجا فسنخرجكما بالقوّة .
لقد حلّت بكما اللعنة وستعمّ القرية كلها بسببكما ..
حاول أيوب عليه السلام أن يُفْهِمَ أهل القرية أن هذا امتحان وابتلاء من الله ، وأن الله يبتلى الأنبياء ابتلاءات شديدة حتى يكونوا مثلا ونموذجًا لتعليم الناس .
قالوا له : ولكنك عصيت الله وهو الذي غضب عليك .
قالت زوجته : انتم تظلمون نبيكم ..
هل نسيتم إحسانه إليكم هل نسيتم يا أهل حوران الكساء والطعام الذي كان يأتيكم من منزل أيوب ؟!
قال أيوب عليه السلام : يا رب إذا كانت هذه مشيئتك فسأخرج من القرية وأسكن في الصحراء . . يا رب سامح هؤلاء على جهلهم ... لو كانوا يعرفون الحق ما فعلوا ذلك بنبيهم ...
هكذا وصلت محنةُ أيوب عليه السلام، حيث جاء أهلُ حوران وأخرجوه من منزله .
كانوا يظنّون أن اللعنة قد حلّت به ، فخافوا أن تشملهم أيضاً . نسوا كل إحسان أيوب وطيبته ورحمته بالفقراء والمساكين !
لقد سوّل الشيطانُ لهم ذلك فاتّبعوه وتركوا أيوب يعاني آلام الوحدة والضعف والمرض .. لم يبق معه سوى زوجته الوفية .. وحدها كانت تؤمن بأن أيوب في محنة تشبه محنة الأنبياء وعليها أن تقف إلى جانبه ولا تتركه وحيداً .
(5)
ضاقت الأحوالُ فمات الولدُ وجفَّ الخيرُ وتصالحت الأمراض والبلايا على جسمه ، فقعد لا يستطيع أن يكسب قوت يومه .
وخرجت زوجته تعمل في بيوت حوران، تخدم وتكدح في المنازل لقاء قوت يومهما ..
وكانت زوجة أيوب عليه السلام تستمدّ صبرها من صبر زوجها وتحمّله . وقد أعدت لأيوب عليه السلام عريشًا فى الصحراء يجلس فيه وكانت تخاف عليه من الوحوش والحيوانات الضالة، لكن لا حيلة لهما غير ذلك .
وظل الحال على ذلك أعواما عديدة وهما صابرين محتسبين .
وفى يوم من الأيام ..
وبينما كانت الزوجة الصالحة خارج البيت ..
مرّ رجلان من أهل حوران – وكانا صديقين له قبل ذلك - توقفا عند أيوب عليه السلام ونظرا إليه، فرأوه على حالته السيئة من المرض والفقر والوحدة ..
فقال أحدهما : أأنت أيوب ! سيد الأرض
- ماذا أذنبت لكي يفعل الله بك هذا ؟!
وقال الآخر : انك فعلت شيئاً كبيراً تستره عنا ، فعاقبك الله عليه .
تألّم أيوب عليه السلام . إن الكثير يتهمونه بما هو برئ منه .
قال أيوب عليه السلام بحزن : وعزّة ربي إنّه ليعلم ببراءتى من هذا.
تعجّب الرجلان من صبر أيوب عليه السلام ، وانصرفا عنه في طريقهما وهما يفكّران في كلمات أيوب عليه السلام !
أما زوجته الصالحة فقد بحثت عمّن يستخدمها في العمل ، ولكن الأبواب قد أُغلقت في وجهها . . ومع ذلك لم تمدّ يدها لأحد .
وتحت ضغط الحاجة والفقر ، اضطرت أن تقص ضفيرتيها لتبيعهما مقابل رغيفين من الخبز
ثم عادت إلى زوجها وقدّمت له رغيف الخبز عندما رأى أيوب عليه السلام ما فعلت زوجته بنفسها شعر بالغضب .
حلف أيوب عليه السلام أن يضربها على ذلك مائة ضربة، ولم يأكل رغيفه كان غاضباً من تصرّفها ، ما كان ينبغي لها أن تفعل ذلك .
(6)
ورغم أن زوجة أيوب عليه السلام طلبت منه كثيرا أن يدعوا الله لكى يزيح عنه هذا البلاء الذى استمر هذه السنوات العديدة فكان يرفض أن يشكو الله تعالى .
وتحمل المرض والبلايا .. وتحمل اتهامات الناس .
لكن بيع زوجته لضفيرتيها هزه من الداخل ..
فنظر إلى السماء وقال :
يا رب إنّي مسّني الشيطان بنصبٍ وعذاب.
يا رب بيدك الخير كله والفضل كله وإليك يرجع الأمر كله ..
ولكن رحمتك سبقت كل شئ ..
فلا أشقى وأنا عبدك الضعيف بين يدك ..
يا رب ‍‍.. مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ..
وهنا .... أضاء المكان بنور شفاف جميل وامتلأ الفضاء برائحة طيّبة، ورأى أيوب ملاكاً يهبط من السماء يسلم عليه ويقول :
نعم العبد أنت يا أيوب إن الله يقرئك السلام ويقول : لقد أُجيب دعوتك وأن الله يعطيك أجر الصابرين..
اضرب برجلك الأرض يا أيوب ! واغتسل في النبع البارد واشرب منه تبرأ بإذن الله .
غاب الملاك ، وشعر أيوب بالنور يضيء في قلبه فضرب بقدمه الأرض، فانبثق نبع بارد عذب المذاق .... ارتوى أيوب عليه السلام من الماء الطاهر وتدفقت دماء العافية في وجهه ، وغادره الضعف تماماً.
و بينما أيوب عليه السلام يغتسل عريانا خر عليه رِجْلُ جَرَادٍ من ذهب فجعل يحثي في ثوبه . فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك ..
خلع أيوبُ عليه السلام ثوب المرض والضعف وارتدى ثياباً تليق به ، يملؤها العافية والسؤدد .
وشيئاً فشيئاً .. ازدهرت الأرض من حوله وأينعت .
عادت الصحة والعافية .. عاد المال .. ودبت الحياة من جديد.
عادت الزوجة تبحث عن زوجها فلم تجده ووجدت رجلاً يفيض وجهه نعمة وصحته وعافية . فقالت له باستعطاف :
ـ ألم ترَ أيوب . . أيوب نبي الله ؟!
ـ أنا أيوب ‍‍‍.
ـ أنت ؟! إن زوجي شيخ ضعيف .. ومريض أيضاً !
ـ المرض من الله والصحة أيضاً .. وهو سبحانه بيده كل شيء .
ـ نعم .. لقد شاء الله أن يمنّ عليّ بالعافية وأن تنتهي محنتنا ! وأمرها أن تغتسل فى النبع ، لكى يعود إليها نضارتها وشبابها .
فاغتسلت في مياه النبع فألبسها الله ثوب الشباب والعافية .
ورزقهما الله بنينا وبنات من جديد ..
ووفاء بنذر أيوب عليه السلام أن يضرب زوجته مائة ضربة أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا وهو ملء اليد من حشيش البهائم ، ثم يضربها به فيوفى يمينه و لا يؤلمها ، لأنها امرأة صالحة لا تستحق إلا الخير.
وكان أيوب عليه السلام واحدًا من عباد الله الشاكرين فى الرخاء، الصابرين فى البلاء ، الأوَّابين إلى الله تعالى فى كل حال .
وعَرِفَ الناسُ جميعًا قصةَ أيوب عليه السلام وأيقنوا أن المرض والصحة من الله وأن الفقر والثراء من الله .
) .... فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (
سورة الأعراف آية 176
وسجل الله قصته فى القرآن الكريم فقال تعالى :
) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ( سورة الأنبياء الآية : 83 و 84
وقال تعالى :
) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( سورة ص الآية : 41 ـ 44
عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ . إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ
وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ
إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ...

[/frame]
 

شموخ رجل

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[frame="12 98"]

العائلة التي كانت تعيش بسلام
قصة للكاتب الأمريكي: أ. ب. هوايت

نشرت في مجلة العربي الكويتية بتاريخ 1/ 9/1993


" كانت أسرة (برويت) تعيش في سكينة من صيد السمك في كوخها القائم فوق جزيرة صغيرة منعزلة في الطرف الجنوبي لخليج (بارنتاك)، وهي أسرة صيادين تتألف من سبعة أشخاص، يعيشون في هذا المكان بمفردهم، وكان غذاؤهم يتكون من معلبات الحبوب والطماطم ومعجون لحم الطيور المحفوظ أيضا، والخبز المحبحب الجسيم وسلاحف المياه العذبة والرز المحمص والسراطين والجبن والزيتون، هذا بالإضافة إلى نقيع فواكه. بيتيا من العنب البري. .

كانوا جميعا يحبون هذه الجزيرة ويحيون فيها بمحض إرادتهم وكان من عاداتهم في فصل الشتاء عندما لا يوجد أمامهم ما يصنعونه الخلود للرقاد ليل نهار تقريبا كما تفعل الدببة أما في الصيف فيعمدون إلى جمع القواقع والأصداف، كما كانوا يحتفلون بالعيد الوطني الأمريكي يوم الرابع من تموز كل عام، فينصبون أرجوحة أطفال يتناوبون عليها جميعا، ولم تقع في العائلة حالة واحدة من حالات التهاب الزائدة الدودية الحاد، وإذا ما شعر أحد أفرادها بألم ما فإنه لا يعبأ كثيرا بالأمر، بل ولا يلاحظ أين مصدر ذلك، أهو في الجانب الأيمن أو الأيسر، فقد كان يأمل بزوال الألم سريعا، وهذا بالفعل ما كان يحدث. وحل موسم شتاء قارس، أشد برودة من المعتاد فتجلدت مياه خليج (بارنتاك)، وأصبحت أسرة (برويت) معزولة تماما عن العالم، ولم يعد بإمكانها الوصول إلى اليابسة باستخدام القارب نظرا لوجود الغطاء الجليدي السميك. ولكن بما أنه ليس ثمة حاجة لذهاب أي فرد منها إلى الشاطىء، اللهم إلا من أجل البريد، وهو أمر يعتبر من الحاجات الثانوية، لم يعبأ أحد من الأسرة بوجود الحاجز الجليدي. وهكذا جلس الجميع في المنزل قرب الموقد، يتسلون بلعبة الكرات الخشبية عندما لا يكون هناك ما يصنعونه، فالشتاء سوف ينصرم عاجلا أم آجلا، وكان من الممكن أن ينصرم بكل هدوء لو لم يشعر أحدهم على اليابسة بأن أسرة (برويت) محصورة وسط جليد الخليج. وسرعان ما سرى خبر هذه الشائعة فوصل إلى المدينة، وإلى سمع مدير شرطة الولاية فأعلم بذلك فورا صحيفة "باتي نيوز" وجيش الولايات المتحدة وكان الجيش الأمريكي أول من هرع للنجدة فأقلعت ثلاث طائرات. قاذفة للقنابل من قاعدة "لا نغلي فيلد" وقد حلقت فوق الجزيرة على ارتفاع منخفض وأسقطت رزما من الخضار المجفف ومكعبات مرق الدجاج، وهي من الأصناف التي لا تحبها أسرة ( برويت) كثيرا، وبعد ذلك وصلت طائرة رجال السينما، وهي أقل حجما من قاذفة القنابل ولكنها مجهز بالزلاجات، وهكذا حطت في الجزء الشمالي من الجزيرة فوق حقل ثلجي. وفي هذه الأثناء أصدر الميجر ( باركس) قائد قوات الولاية، وكان قد أخطر بطريق شخصي أن أحد أفراد أسرة (برويت) مصاب بالتهاب الزائدة الحادة، أمره على وجه السرعة، بإرسال زلاجة مع كلاب تجرها، وذلك على متن طائرة أقلعت من (لاكونيا) وبلاية نيوهامبشير، كما بعث بفصيلة إنقاذ تحاول عبور الخليج فوق الجليد. وعند الغروب نزل الثلج ولقي من أفراد الإنقاذ مصرعهم على بعد حوالي نصف ميل من الشاطئ لدى محاولتهم القفز من قطعة جليد عائمة إلى أخرى.

أما بشأن الطائرة التي حملت الكلاب والزلاجة فقد اكتسى جناحها بطبقة سميكة من الجليد والثلج وعندما أصبحت فوق جنوبي نيوانجلند راح الطيار يحوم في الجو بحثا عن مكان يصلح للهبوط الاضطراري، بيد أن قطعة كبيرة من العظم كان أحد الكلاب قد صعد بها إلى الطائرة، انزلقت لدى انحدار الطائرة وانغرست في فجوة مقر المقود فاستعصى تحريكه وتابعت الطائرة انحدارها حتى اصطدمت بسور محطة كهربائية، فلقي جميع الركاب، أي: الطيار وكلابه، مصرعهم، أما (وولتر رينغستيد) الذي يقيم في غاردن فيو افنيو) رقم 3452 بولاية كانيكتيكت فأصيب بجراح خطيرة.

وقبيل منتصف الليل بقليل وصل خبر الزائدة الدودية إلى أسرة (برويت)، وذلك حينما تمكنت طائرة مروحية مستأجرة تابعة لوكالة الأنباء الدولية في (هارتس) من الهبوط وسط العاصفة، وفهم المستر (برويت) من المصورين أن ابنه البكر (تشارلز) مريض، وأن من الضروري نقله إلى بلتيمور من أجل إجراء عملية جراحية مستعجلة له. ورغم اعتراض المستر (برويت)، أكد (تشارلز) أنه يحس فعلا ببعض الألم في خاصرته، وقد حسم بذلك المسألة، وتم نقل (تشارلز) بالطائرة المروحية، وبعد أقل من عشرين دقيقة وصلت طائرة أخرى وعلى متنها طبيب جراح مع ممرضتين رفيعتي التأهيل، بالإضافة إلى مذيع تلفزيوني من محطة البث الوطنية، وأجرى الفريق الطبي عملية استئصال الزائدة لابن برويت الثاني ( تشيستر) ووصفت العملية بأنها في منتهى الخطورة وتم نقلها حية على الهواء عن طريق التلفزيون من مطبخ ( أسرة برويت) مباشرة، بيد أن الفتى مات بعد العملية لأنه التهم كمية كبيرة من الخضار المجفف بعد العملية بوقت وجيز، على أن الفتى الأول (تشارلز) تماثل للشفاء بعد فترة طويلة من النقاهة ورجع إلى الجزيرة في أيام الربيع الدافئة الأولى. ولقد اندهش كثير للتغيير الذي طرا على المكان، إذ لم يعد لمسكن الأسرة وجود، فقد قضى عليه حريق شب فيه خلال الليلة والأخيرة لعمليات الإنقاذ، ويرجع سبب الحريق إلى شرارة انبعثت من عادم إحدى الطائرات المقلعة، واصابت علبة القمامة على شرفة البيت. وعقب الحريق انتقل المستر، (برويت) بعائلته إلى براكة الطوارئ المؤقتة التي كانت قد أقيمت من أجل العاملين الإذاعيين والتلفزيونيين. وعاشت الأسرة في تلك البراكة حتى الليلة التي هلك فيها جميع افرادها من جراء تناولهم لمحلول الفينول بنسبة 10 بالمائة، وكان الجراح قد تركه وراءه، بيد أن رب العائلة اعتبره ضربا من المشروبات الكحولية التي يحتسيها أهل المدينة لبعث الحرارة في مفاصلهم وقت البرد.

لقد بدأ خليج (بارنتاك) موحشا وغريبا كل الغرابة ل (تشارلز)، وهكذا بارح جزيرته التي رأى النور فيها، ونزح إلى اليابسة، وذلك بعد أن وارى ذويه الثرى، حسب الأصول.


[/frame]
 

رحيق الزهور

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[align=center][table1="width:95%;background-color:black;border:10px groove red;"][cell="filter:;"][align=center]

عند الصباح..رابندراناث طاغور


(قصيدة يوردها طاغور لشاعر شرقي)

*

عند الصباح

كنت أستفيق على حفيف أشرعة زورقك

سيدة رحلتي،

وكنت أبرح الأرض كي أتبع الأمواج

التي تشير إليّ،

سألتك:

هل نضح حصاد الحلم في الجزيرة

التي تقع وراء السماء اللازوردية؟

وقع صمت ابتسامتك على سؤالي

كما يقع صمت النور على الأمواج

مضى النهار مليئاً بالعواصف والهدآت،

كانت الرياح الحائرة تغير اتجاهها في كل لحظة

والبحر كان يتأوه،

سألتك:

هل توجد دورة حلمك في جهة ما!

إلى ما وراء البقايا المحتضرة للنهار

الذي ينطفئ كمحرقة مأتمية؟

لم يصدر أي جواب عنك.

وحدهما عيناك كانتا تضحكان

مثل هدب غيمة عند مغيب الشمس،

إنه الليل،

طيفك يهوي في الدياجير

شعرك،

حيث تلعب الريح،

يدغدغ وجنتيّ

وعطره يجعل حزني يرتعش.

تتلمس يداي طرف ثوبك

ثم أسألك:

هل توجد حديقة موتك خلف النجوم

سيدة رحلتي

حيث يتفتح صمتك في أنغام؟

تتألق ابتسامتك وسط

سكون الليل الهادئ

مثل النجمة في ضباب منتصف الليل



[/align]
[/cell][/table1][/align]

 

رحيق الزهور

كبار الشخصيات
رد: من روائع الأدب العالمي

[align=center][table1="width:95%;background-color:black;border:10px double green;"][cell="filter:;"][align=center]


المرور المستحيل
آخين ولات
شاعره من كرستان



لن يكون دليلي، أكثر من مرورٍ خفيٍّ إليكِ ، أيتها المدينة المستعصية.
شارع مزدحم. نساءٌ، فاتناتْ، ورجلٌ ينتصب. يفتتن بهنّ، جميعاً.
يغويهنّ...
لكلّ امرأةٍ، سحرٌ لا يقاوم. لكلّ امرأةٍ لونٌ يُبهر. لكلّ امرأةٍ سرٌّ، ومكاشفات.
لكلّ امرأةٍ، نظرةٌ قاتلة.
هذا ما اتفق عليه الشّعراءُ، كلّ الشعراء.
الشعراءُ يكذبون. الشعراءُ خائنون. الشعراءُ يقتلون ويحيون. الشعراء يمرقون.
الشعراء يثرثرون. الشعراءُ يُقتَلون.
على القتل إذاً، يتفق الشعراء.
يقتلونَ ويُقتَلون.
على الهذيان.
على النميمة.
على حبّ الذات،
والتسكّع،
ولعنة الأوطان.
.
أحمر، أصفر، أخضر.
تركيا لن ترفع العلم الكردي.
تتمنى الأزرقَ، في إشاراتها، بدل الأخضر.
ظلٌ، ينفرُ...
تشظى العالمُ، منذ بياضٍ تعَكّر.
منذ تباين الألوان.
الصالة،
وضوءٌ شاحبٌ.
سأبذل التعتيم أكثر.
أُغلق الستائر. ضوءٌ، يتسرّب. سأُنزل الأباجورَ، المعدني. معدنٌ نقيٌ. ليس هو معدنك بالتأكيد.
معدنٌ أخّاذٌ.
معدنٌ لا يخون.
معدنٌ لا يكذب.
معدنٌ بوجهٍ واحد،
بلونٍ راسخ.
معدنٌ، ليس بشاعر.
معدنٌ هو النقاء لا أكثر.
.
الصالة معتمة تماماً.
ضوءٌ ينبعث من شاشة الكومبيوتر. الشرفةُ، خلف الأباجور. صالةٌ مدهشة، لعرضٍ مثير:
حركةٌ خفيّة.
همسٌ، كالوجعِ، يتكوّر. يمور. يتكوّر، ويتصلّب.
وجعٌ بلا ملامح.
لن أخمّن أنك تقترب.
لستَ بحصانٍ، وثرثراتك لا تشبه الصهيل.
يعدو الحصانُ شامخاً،
والفارسُ؟
به بعض نعاس.
كلّ الأضواء انطفأت،
لقدومه.
.
لن يعبأ الحصان بإشارات المرور التحذيرية، التنظيمية، ولا بالتوضيحية منها، والتثقيفية.
ممنوع التجاوز قطعياً...
لن يستوقفه الأصفر الخفّاف.
لن يمهل الشاعرَ، أخضرٌ رجّاج.
طريق إجباري للمشاة.
طريق إجباري للدرّاجات.
طريق إجباري للحيوانات.
عليك أن تكون درّاجةً، لتمشي بين الدرّاجات. وسيّارةً صغيرة، لتنحشرفي الزاوية، هناك.
خذ أحد جانبي الطريق.
خفّف السرعة.
أمامك دورانٌ إجباريٌ، صوب اليمين واليسار.
خذ الاتجاه الإجباري لليسار.
أمامك حقل ألغام.
بشرٌ مُعبّؤون بالديناميت،
واتجاهٌ مستدير.
.
سيخطف أحدهم الشاعرَ، في بغداد. لن يكون طليقاً إلا بفديةٌ كبيرة. سيكفّره آخرٌ، ذو لحيةٍ طويلة. طويلة جداً. سيُهدرُ، آخرُ دمه.
إحذر أيها المتهور.
تقاطع سكةٍ حديد، بدون بوّابة.
صخورٌ متساقطة.
أسلاكٌ كهربائية، فمنحدرٌ خطِر.
الطريق زلقٌ، وقُطّاعُ الطرق، مثل الأرانبِ، يتكاثرون.
سُيهدَر دمي. سأقول: هذا كثير. سيُحكم على ذراعي الأيمن، وساقي الأيسر، بالبتر.
ألم تسمع آخر صيحاتِ قضاةِ طهران، في شابٍ كردي؟
"صادق زماني"؛ هذا هو اسم الشاب.
احتجّ على سجنه، وأخويه، فقالوا: لك ما تريد. و البترُ، كان حُكماً عادلاً على يده اليمنى، ورجله اليسار.
ثلاثة إخوة. يُناهضون نظام الملالي.
ثلاثة أيامٍ للرجم.
حزبٌ محظورٌ، يشتبكُ، ومحافظي الملالي. يأخذ الإخوة الثلاثة، جانبَ المحظور.
عدد من المحافظين يُقُتل... كان هذا قبل سبعة شهور.
أ هي حاضنةٌ، ستحتوي ذراعي وذراعك، ساقي وساقك يا "زماني"؟
أم حفرةٌ باردة؟
أم سنكون لقمةً خانقة للكلاب؟
سلسلة منعطفات.
من اليمينِ،
يضيقُ الطريق أكثر.
.
طفلٌ في أزقة "آمد". كان سيلعب حتى المساء، لو لا أنهم كسروا ذراعه.
طفلٌ، يشتهي ذراعاً أقوى، ليحضن كلّ النساء عند إشارة المرور.
ألم تصلك صرخته؟
مللتَ أيها الرجل الطيب، أعرفُ هذا.
يُحكى أنّ ثعلباً، قتل الأسد.
يربط أطرافه بغواية المديح. يُحكم الرّبط، ويرميه لعُمق الوادي.
أليس من الحكمة أن نكون ثعالباً؟
وطفلٌ معصوب الفم. ما الذي يغويه، غير الصراخ؟
العُصابة متشرّبة بالدم. عيناه على العالم:
حزينتان. صامتتان. صارختان.
إثنان من عسكر أتاتورك، يضحكان عالياً. بينهما، يتلوّى الطفل.
واجبٌ مقدّسٌ، وكلّنا للوطن.
يشدّان الطفل، كلّ إليه.
ذراعه المكسورة باتجاه، وصرخته، باتجاه.
يسدّ العالمُ آذانه.
صفقاتُ الدم، في واشنطون.
تجار حربٍ وسلام.
جدرانٌ مرشوقة بالدم في الهند. قطاراتٌ ملغومة، في مدريد. حافلاتٌ في بريطانية، تتفجر.
تهوي الأبراج في نيويورك.
شيوخٌ، يلحسون عقول الشباب.
اغتيالاتٌ. خياناتٌ. نهبٌ. دمارٌ. قتلٌ، في كلّ مكان.
والقدس؟ أمّا عن القدس، فحدّث، ولا حرج.
بيروت، قنبلةٌ موقوتة.
توقّف.
خذ جانباً. سننزل.
يجبُ التغوّط.
ألا تريد التبوّل؟
تغوّط قدر المستطاع.
الطريق طويلٌ، ووَعِر.
أكثر.
أكثر.
تغوّط أكثر.
.
تنفّس عميقاً. دخّن سيجارةً طويلة، وفكّر جيداً.
منحنيان أوّلهما من اليسار.
طريقٌ فرعي من اليمين.
الطريقُ من الجانبين، يضيق.
نحن في منطقة السير على اتجاهين.
أمامك طريقٌ أفضلية، ثم نهاية االمزدوج.
.
في دمشق سيبترون لساني. في أنقرة سيبترون رأسي.
القاضي في ديار الله.
القاضي، يا رجل. هل نسيتَه؟
الذي حكم ببتر ذراعي الأيمن، والساق.
أيّة ساق؟
ساقي يا عمي الطيب. ساقي الأيسر، وساق الزمان.
لن يكون ذلك مؤلماً للغاية.
زمانٌ أعرج، وعالمٌ أحول.
ـ هل رأيته؟
ـ من؟
ـ القاضي يا طيّب. ركّز قليلاً.
استلم شهادة تقدير ـ القاضي ـ وحافظةَ حجارة رمي الجمار.
إنّه يصلي ـ القاضي.
يبتهل. يرتعب. يلطم، ينتحر...
ـ يندم؟
ـ لا أظن. وإن ظننتُ، فلن أصدّق.
ممنوع مرور الشاحنات، أطول من 3,5 متر.
.
"حافظاتٌ فاخرة، من القطيفة. في كلٍّ منها حجارةٌ تكفي لثلاثة حجّاج، أيام الرمي الثلاثة في مشعر منى.
حجارةٌ مقطّعة، نظيفة. جاهزة ومعقّمة وفق أسس ومعايير وضوابط تحقق أقصى درجات الجودة والنظافة الصحية."* !!!
حجارةٌ صحيّة. مغسولة سبع مرّات.
سنأكل الحجر، ونعدل عن الأكروبايوتيك.
معقّمٌ، صحيّ. خالٍ من الدهون والشحوم. يحافظ على رشاقة البدن.
ـ والكولسترول؟
ـ كن مطمئناً، لن يزيد.
حجرٌ، لا يرفع الضغط، ولا يسدّ صمّامات القلب.
وصفةٌ سحرية، لحياة أطول.
كلّما أمسك بحجرةٍ ـ القاضي ـ
سال الدم غزيراً.
يضخّ الكيسُ دماً.
دمٌ يغطّي "مشعر منى".
إنّه دمي.
بنكهة الفريز.
لا زالال طازجاً، نقيّاً، وصالحاً للشرب.
حافظاتٌ للدم الآري ـ العاصي.
حافظاتٌ لكل الأعراق، والقوميات، والأعضاء:
ألسنةٌ مبتورة، وآذانٌ، وأيدٍ، ورئات.
حافظاتٌ لتجميد الأدمغة.
حافظاتٌ، تضمن تفرّغ الحجّاج للعبادة وأقصى درجات الصفاء.
أسرع أيها الأحمق.
اللصوصُ، على الجانبين.
أقصى سرعةٍ، مسموحٌ بها هي الستين، والكاميرات ترصدك طيلة الطريق.
.................
.........
لن أستترَ أيها العالم الزّاني، وأنا أرتكب المعاصيَ، فيك.
دولةً فدولة، أدخلك.
مدينةً، مدينة. شارعاً، شارعاً. أحملك على كتفيّ.
آخذك، وكليمونٍ أعصرك إليّ.
أُعرّيك.
إليك كلّ الجراح.
تمرّغ فيها، واشرب.
إشرب.
إشرب.
إشرب.
للدم رائحة النعناع.
استنشق.
إشرب.
استنشق.
تمرّغ، كحمارٍ هائجٍ
حتى النخاع،
لأُدوّن عصياني كاملاً.
دوّن يا رجل، يا طيب.
دوّن اللحظة.
لا تكن شيطاناً، أخرس.



[/align]
[/cell][/table1][/align]
 
أعلى