الصديق من صدقك... وصدّقك

LEGENDS

كاتب محترف
قلت دائماً إن الصداقة أبقى من الحب، حتى بين المرأة والرجل، والحب مثل نيزك في السماء سرعان ما يشتعل ثم ينطفئ، وقيل في الأمثال:
رب أخ لك لم تلده أمك، والصداقة المنزهة عن الغرض هي الأقوى والقادرة على الصمود.. فمن منا لم يعتز بصداقته مع ابن حيه أو رفيقه في المدرسة أو زميله في الجامعة... الحياة دون أصدقاء كنهر بلا ماء، وقصص الأصدقاء الأوفياء لا تخلو الحياة منها، ولكن كثيراً ما تصبح الصداقة مصلحة فإذا غلبت المصلحة عليها كثر الاختلاف وأحياناً يكون الصديق الحقيقي عند الضيق، والأمثال كثيرة في هذا المجال...‏

والغريب أن التراث العربي إمتلأ بما هو الضد، أي إن لا صديق إلا من أجل مصلحة، قلت لصديق لي كان بمثابة أخ وأكثر إن كان يقصد الصداقة لمصلحة فأكد ذلك وهي أن مصلحته معي إنني أخفف من عزلته وأقف إلى جانبه في السراء والضراء وأكون له عوناً على الملمات والصعاب ويالها من مصلحة جميلة، وليت كل المصالح هي بهذا المعنى.‏

كان الحكماء العرب متشائمين كثيراً من موضوع الصداقة بل دعت إلى الابتعاد عن الأصدقاء خصوصاً الصديق الذي يؤثر نفسه عليك ويضمر لك الشر، لأنه يحسدك على موقعك، ويسعى لأخذه منك، وخصوصاً إذا كنتما في مصلحة واحدة.‏

مثلاً قيل ما أكثر ما أنكر الحكماء أمر الصديق، وقيل لأبي النصر، لم لا تتخذ الأصدقاء؟ قال «حتى أتفرغ من الأعداء وأطلب صديقاً من الجن، فإنه قد أعوزني في الأنس».‏

وقيل أيضاً لأحد الحكماء: ألك صديق؟ فكان أن قال: لا.. ولكن أليف، فهل الألفة شيء من الصداقة؟ وقال يحيى بن معاذ جمهور الناس معارف ويندر فيهم الصديق إلا في المظاهر، فأما الأخوة والمصافاة فذلك شيء نسخ فلا يطمع فيه وقسم الغزي الناس - ذوي العلائق - إلى ثلاثة: معرفة، وأصدقاء، وأخوان، فالمعرفة بين الناس كثيرة، والأصدقاء عزيزة، والأخ قلّما وجد وهذا ما جاء في كتاب آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة للغزي وقديماً قالت العرب: «أبعد الناس سفراً من كان سفره في طلب الصديق» ولربما لهذا قال أبو الحسن بن منير الرفاء:‏

فهل صديق يباع حتى‏

بمهجتي كنت أشتريه‏

ومازال البعض ينفي الصداقة والصديق في إصراره على ذلك حتى قال الشاعر:‏

سمعنا بالصديق ولا نراه‏

على التحقيق يوجد في الأنام‏

واجبه ممن نمقّوه‏

على وجه المجاز في الكلام‏

وقال أبو إسحاق الشيرازي:‏

سألت الناس عن خل وفي‏

فقالوا ما إلى هذا سبيل‏

ومازالوا يؤكدون أن الصديق الصدوق قليل، حتى قيل لبعضهم.. كم لك من صديق؟.. فقال: لا أدري، لأن الدنيا عليّ مقبلة، فكل من يلقاني يظهر لي الصداقة، وإنما أحصيهم إذا ولتّ عني الدنيا فلا أجد أحداً.. من كتاب كنز الفوائد.. وقال أبو حيان التوحيدي: «فأما الذي قال في أصدقائه وجلسائه الخير. وأثنى عليهم بالجميل، ووصف جده بهم. ودل على محبته لهم، فغريب». وقال بشر بن الحارث: «ليس هذا زمان اتخاذ الاخوان، إنما هو زمان خمول، ولزوم البيوت». حتى إن بعضهم ألّف كتاب «شفاء الغليل في ذم الصاحب والخليل» وهو علي بن ظافر الأزدي. والخلاصة في هذه الأقوال: الذي عند هؤلاء وإضرابهم كثر: عزيز الوجود هو الصديق، ومدعو الصداقة كثيرون جداً، والصحيحون منهم قليلون جداً، بل وأقل القليل.‏

هذه النماذج والأقوال النقطة من كتاب الحكمة عند العرب للشيخ الجليل محمد الشيخ، ومنه فصل في الصداقة والأصدقاء.‏

على أن من مفكري العرب والإسلام من جعل من الصداقة أمراً إنسياً مخصوصاً ليس بمقدور الحيوان أن يقدم عليه ولا أن ينتجه، إنما شأن الصداقات - بأنواعها المختلفة- إنها: «تحدث بين الناس خاصة، لأنها تكون بإرادة، وروية، وتكون فيها مجازاة ومكافأة، فأما التي بين الحيوانات غير الناطقة، فالأحرى بها أن تسمى «إلفاً» وتقع بين الأشكال منها إلا الميل الطبيعي إلى مراكزها التي تخصها فوحدة النوع الإنساني خصّ بالمقدرة على عقد الصداقة لكن، خذ بنا، بداية إلى أن نسأل: أي معنى اكسبه الحكماء العرب لمبنى «الصديق»؟.‏

كما إن العرب أبانوا عنه بالإشارة: «الصديق آخر.. هو أنت» أو «الصديق هو آخر هو أنت» أو «الصديق هو أنت إلا إنه غيرك» أو «هو أنت إلا أنه غيرك» و «الصديق آخر هو أنت، إلا أنه غيرك بالشخص...الخ».‏

سئل حكيم عن الصديق فقال: «هو أنت بالنفس، إلا أنه غيرك بالشخص» أو بالتوليفة: «صديقك من كان قلبه كقلبك إلا أنه في غير جسمك».‏

سأل آرون الملك ثيافندروس الفيلسوف: «ما حققه الصديق؟» قال: «إنسان هو أنت.. إلا أنه غيرك، حيوان غير موجود، اسم على غير معنى». وفي غيره: «سُئل ارسطو طاليس عن الصديق، فكتب: «اسم لا مسمى تحته، إنسان لا يظهر، هو أنت.. إلا أنه غيرك» وفي صيغة تعريبية أخرى: «هو آخر بالشخص إلا أنه أنت بالنفس» أو: «الصديقان نفس يرى نفسين» وعبروا عنه تارة بالعبارة: قيل لبعض الحكماء: ما الأصدقاء؟ قال: نفس واحدة في أجسادٍ متفرقة». كما إنهم عبروا بالقول: «قيل لبعضهم: صف لنا الصديق. قال: هو أنت وهو أنت إلا أنكما جسمان بينكما روح» أو بالبيان: قيل لبعضهم ما الأصدقاء؟ قال: نفس واحدة وأجساد متفرقة» وسُئل الجنيد عن الأخ (الصديق) فقال: «هو أنت في الحقيقة، إلا أنه غيرك في الشخص» أو بالإشارة: قيل لأرسطو: «ما معنى الصديق؟ فقال: قلب تضّمن جسمين.‏

هذا وأنشد بعض شعراء العرب هذا المعنى شعراً:‏

ونحن كروح بين جسمين فجسماهما جسمان والروح واحد.‏

وقال شاعر آخر:‏

نكون كروحين بين جسمين فرقا فجسماهما جسمان والروح واحد‏

وما اكتفى حكماء العرب بخبرة الصداقة في حال النعمة بل هم خبروا أروع صورها في مواقف وجودية مأساوية، فقد يصل التصادق حد التضحية بالحرية وذلك بمرافقة الصديق إلى السجن، وما يمكن أن يضرب به المثل في الأدبيات الصداقية العربية تلك الصداقة العجيبة التي جمعت بين فقيهين: ابن الحاجب وعز الدين بن عبد السلام، إذ أورد صاحب كتاب شذرات الذهب ما يلي: قال اليافعي وبلغني أنه ابن الحاجب كان محباً للشيخ عز الدين بن عبد السلام، وإن ابن عبد السلام حيث سجن بسبب انكاره على السلطان دخل معه السجن موافقة ومراعاة..والأمر نفسه قيل بالإضافة إلى ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية.‏

والحديث يطول في هذا الموضوع الذي كتب فيه العرب أكثر بكثير ما كتب عند الأمم الأخرى هناك في مكتبة الاسكندرية مثلاً مئات المخطوطات بهذا الموضوع.‏

وتجربتي الشخصية والمؤلمة أن الدنيا كانت مقبلة علي في الثمانينات والتسعينات وحتى أوائل الألفية الثالثة، فكان الازدحام على بيتي كل يدعي صداقته وكنت أصدقه، فما إن أفلت الدنيا ورائي وامكست بي ذات اليد إلى حد الشح تواروا واحداً بعد الآخر.. فآثرت العزلة والوحدة مبتعداً ما استطعت عن هؤلاء، وإذا رآني أحدهم بالمصادفة ادعيت السفر إلى بلاد بعيدة.‏

وباختصار الصديق من صدقك وصدقّك.

 

dyala

كاتب محترف
رد: الصديق من صدقك... وصدّقك

كلامك سليم هاني
كتير اشيا بتجمعنا
مع الصديق الصدوق
ممكن ما تجمعنا مع الحبيب
والصديق بصير النا حافظ للاسرارنا
بس الحبيب ممكن نبعدو عن هالشي
الف شكر الك لطرحك القيم
 

ترانيم العشق

كبار الشخصيات
رد: الصديق من صدقك... وصدّقك

ونحن كروح بين جسمين فجسماهما جسمان والروح واحد.‏*
*
كلام سليم 100%
الصداقة الفة ارواح وانسجامها
هي كالحب الى حد ما
ولكن الاختلاف في طبيعة المشاعر
شكرا لك هاني
طرح رائع ويستحق الوقوف عنده طويلآ
مودتي لك
 

عاشق الليل

مُديّرْ المُنتَدىَ
طاقم الإدارة
رد: الصديق من صدقك... وصدّقك

موضوع مفيد وغني ومتعوب عليه
بالفعل كلامك ذهب
اذا المرء لا يراك الا تكلفاً ********** فدعه ولاتكثر عليه التأسفا
ففي ابدال وفي الترك راحة ٌ******** وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه **********ولا كل من صافيته لك قد صفا
اذا لم يكن صفو الوداد طبيعةً *******فلا خير في ودٍ يجيء تكلفا
ولا خير في خلٍ يخون خليله *******ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر عيشاً قد تقادم عهده ********ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا
سلام على الدنيا اذا لم يكن فيها****** صديق صدوق صادق الوعد منصفا
 

فراشة ولة

كاتب محترف
رد: الصديق من صدقك... وصدّقك

وقفت طويل لاتامل ما كتبته

لنا وعرفت انو الحب يذهب

ومايبقي منه غير ذاكره اما

الصديق هو الحياة بكل ما تحملها

من الفرح والحزن الصديق هو الاخ

والاخت كل ما يوجد في الحياة


تسلم أخي هاني
طرح اعاد لي تفكير في بعض
امور حياتي

مودتي​
 
أعلى